
*ما وراء الزجاج* : *كيف تتعامل دول العالم مع ملكية الذهب* بقلم: هجو أحمد محمد
*ما وراء الزجاج* :
*كيف تتعامل دول العالم مع ملكية الذهب*
بقلم: هجو أحمد محمد
أكثر من مليوني إنسان يحفرون الآن في باطن السودان سودانيون وأجانب بلا خرائط، بلا مناطق محددة، بلا شركة وطنية تشغلهم، بلا رقيب ولا حسيب مليونان يدخلون الصحراء متى شاءوا ويخرجون منها متى شاءوا، يحملون آلاف الأطنان من الحجر، لا أحد يعرف كم أخرجوا، ولا كم باعوا، ولا لمن باعوا، ولا أين ذهب الثمن.
هذا ليس مشهداً من القرون الوسطى هذا هو الواقع اليومي للتعدين في السودان أكبر قوة عمل تعدينية في أفريقيا تعمل خارج سلطة الدولة فوق أرض تملكها الدولة بحكم القانون.
كيف وصلنا إلى هنا؟ الجواب ليس في الصحراء، بل في القانون.
في القوانين الوطنية ودساتير دول العالم، الذهب ليس سلعة عادية يملكها من وجدها كالمحصول الزراعي، بل هو مورد سيادي استراتيجي كل الدساتير تجمع على مبدأ واحد: ما فوق الأرض قد يكون ملكاً للأفراد، وما تحت الأرض ملك حصري للدولة ولا يتحول إلى سلعة قابلة للبيع إلا بعد أن تمنح الدولة ترخيص استخراجه.
هذا المبدأ هو الذي يفصل بين دولة بنت ثروتها ودولة بددت ثروتها.
الصين حسمت المبدأ منذ 1986 في المادة 3 من قانون الموارد المعدنية ولا يزال سارياً بآخر تعديلاته: (جميع الموارد المعدنية مملوكة للدولة، ويمارس مجلس الدولة ملكية الدولة للموارد المعدنية) ثم يضيف: يحظر على أي منظمة أو فرد الاستيلاء على الموارد المعدنية بأي وسيلة، وأن المؤسسات المملوكة للدولة هي القوة الرئيسية في التعدين.
بمعنى أنك قد تملك مزرعة لكنك لا تملك جرام ذهب واحد تحتها.
*النماذج الثلاثة التي أنهت الجدل*
*النموذج الأول: السيادة الكاملة.* نموذج الصين والجزائر وبوتسوانا والسعودية الدولة تمنع التعدين الفردي نهائياً.
في الصين تدير القطاع مجموعة الذهب الوطنية الصينية المملوكة للدولة 100%. وحتى 2002 كان بنك الشعب هو المشتري الوحيد، واليوم كل الإنتاج يباع عبر بورصة شنغهاي للذهب.
في الجزائر الاستغلال الحرفي نشاط 100% جزائري لا يحق لأي أجنبي ممارسته، مع احتفاظ الدولة بنسبة 20% في المشاريع الكبرى.
في بوتسوانا قانون المناجم ينص أن كل الحقوق المعدنية للدولة بهذا بنت شركة (ديبسوانا) دولة كاملة انتهى الجدل حول هوية الجهة المخولة: لا أحد إلا الشركة الوطنية.
*النموذج الثاني: الاحتواء والتنظيم.* طبقته دول كانت تعيش فوضى مثل السودان تماما
موريتانيا حتى 2020 كانت تعاني من دخول الأجانب، فأصدرت في ديسمبر 2022 قانوناً وأنشأت الوكالة الوطنية معادن موريتانيا مهمتها إنشاء البنية التحتية داخل أروقة محددة تملكها الدولة فقط. خارجها التعدين ممنوع وشعار الحملة: *ممارسة التعدين خارج الحوزة الترابية الوطنية يعرض حياتك للخطر*
غانا كانت تخسر (11.4 مليار دولار) تهريب، فأنشأت في 2025 مجلس الذهب: كل ذهب التعدين الأهلي تابع للدولة ويجب أن يباع لها بسعر السوق الفوري اشترت 135 طناً بين يناير 2025 ومايو 2026، وصدرت 104 أطنان في 2025 بقيمة 10 مليارات دولار.
*النموذج الثالث: السوق المنظم.* في أستراليا وكندا *لا تلمس الأرض إلا برخصة* ودراسة بيئية وخطة إعادة تأهيل.
*النموذج الرابع: فوضى السودان*
وحده السودان يقول في قانونه شيء ويفعل عكسه يقول قانون 2015 في المادة 4: (تكون ملكاً للدولة كل المواد التعدينية) ثم ينسفها في المادة 12: يسمح لأي سوداني عمره 18 سنة مسجل لدى الهيئة أن يأخذ عقد تعدين تقليدي ويحفر في أي مكان بلا تحديد مناطق ولا اشتراط شركة.
وزاد دستور 2005 الطين بلة حين نص أن *للأقاليم حقوق خاصة* في مواردها ففتح باب تفسير أن الأرض ملك جهوي ومن يملك الأرض يملك ما تحتها.
لهذا فشلت كل المحاولات من 2007 إلى 2026. لائحة 2007 حددت عمق 10 أمتار ولم يطبق، الشركة السودانية أنشأت 87 سوقاً تقلصت إلى 64 وفرضت 25 ألف جنيه على كل جوال حجر دون خدمات. الدولة كانت تنظم البيع لا المنجم: حظر تخزين الذهب في المنازل 2026، تسوير الأسواق، بورصة ذهب، إلغاء احتكار بنك السودان ثم إعادته.
النتيجة: أنتج السودان 70 طناً في 2025 لم يصدر رسمياً إلا 12.5 طن، وضاعت 57 طناً بقيمة 9.6 مليار دولار. تقرير خبراء الأمم المتحدة 2024 يقول إن أكثر من 50% من ذهب السودان يهرب.
*من يملك المنجم يمول الحرب*
لماذا فشلت الدولة؟ لأنها كانت تنظم البيع وتترك المنجم وحين تترك المنجم بلا مالك واضح يصبح المنجم نفسه هو الدولة.
تقرير خبراء الأمم المتحدة وثق أن سيطرة قوات الدعم السريع على مناجم جبل عامر وسنغو وفرت لها تمويلاً بمئات الملايين الحرب في جوهرها حرب موارد، والموارد بلا مالك تتحول إلى وقود حرب.
الحل لا يحتاج لاختراع، بل لتعديل يطبق على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى لمدة عام تجميد التراخيص الفردية الجديدة وحصر النشاط القائم داخل أروقة تملكها الدولة مع تسجيل كل المعدنين في تعاونيات كما أوصى البنك الدولي 2024.
المرحلة الثانية تحويل هذه التعاونيات إلى مقاولين من الباطن لشركة وطنية سيادية مملوكة للدولة 100% على غرار المجموعة الصينية.
المرحلة الثالثة يصبح العمل فقط عبر شركات وطنية تشغل السودانيين بعقود عمل كما هو الحال في تجربة شركة أرياب التي استمرت 40 عاماً نموذجاً سودانياً ناجحاً.
الذهب الذي يمول الحرب اليوم، هو نفسه الذهب الذي مول السلام في بوتسوانا وغانا حين قررتا أن *الثروة سيادة* لا *غنيمة*
إن الثروة التي يعمل فيها مليونا إنسان بلا مالك لا تضيع فقط بل تقتل أصحابها.
13 أكتوبر 2026