
تأملات
جمال عنقرة
أكرمني الله تعالي بالانتماء والانتساب إلى ثلاث مدن عبقرية، تتجسد في أهلها عظمة وروعة السودان الذي يسع الجميع، ونذوب في داخله كل الانتماءات الثانوية وتنصهر، أم روابة عروس النيم، والأبيض ابوقبة فحل الديوم، وأم درمان البقعة مبروكة الإله والدين، ومسرح أحداث هذا المقال، مدينة الأبيض،
أذكر عندما تولي مولانا احمد هارون حكم ولاية شمال كردفان، وقاد مشروع نفير النهضة الذي أعاد به اكتشاف عبقرية الولاية وأهلها، وكنت من جنود النفير قائدا لكتيبته الإعلامية، وكنت دائم الحضور في كل الفعاليات، قال لي أحمد هارون مرة (انت حيرتني، ناس عمرهم ٦٠ سنة واكتر يقولوا دفعتك، وناس عمرهم ٤٠ سنة وأقل يقولوا دفعتك، انت كيجاب الأبيض ولا شنو) فقلت له الدفعة في الابيض ليست في المدرسة أو الفصل فقط، الدفعة في الابيض تمتد إلى المنزل والأسرة، مثل امتداد علاقات اهل الأبيض لا تحدها حدود، ولا تفصلها فواصل عرقية ولا دينية، ولا غيرها، وقلت له مثلا من اولاد عمنا يوسف البر دفعتي في الفصل اخي مكي، ولكن بتمدد العلاقة، صاروا جميعا اسماعيل وبكري، وحتي ميرغني الصغير الذي لم تجمعنا معه مرحلة دراسية صاروا دفعة.
ويوم امس السبت تقدم اهل الأبيض الموجودون في مصر، تقدموا اهل السودان من كل حدب وصوب الذين احتشدوا في كنيسة ماري جرجس في مصر الجديدة للعزاء في فقيدتهم ماما نزهة باسيلي يعقوب، ارملة عمنا الراحل مكين اسكندر، والدة الأخ جوزيف مكين، واخواته، وماما نزهة كانت واحدة من أمهات الأبيض الشامخات، اللاتي يحتضن ابنائهن، وزملاء ابنائهن، ومنهن علي سبيل المثال لا الحصر، خالتي ست الجيل، أم أبناء عمنا يوسف البر، وخالتي بنت المنا أم اولاد عمنا اسماعيل شمعون، وخالتي بت احمد أم اولاد عمنا مكي حميدة، وخالتي اسيا خضر، أم اولاد عمنا عبد المطلب الهدي، وخالتي فاطمة أم اولاد عمنا سليمان دقق، وماما وداد شنودة أم اولاد عمنا عيدو جورج اسطفانوس، وخالتي هانم تبن ام اولاد عنبر، وعمتي بتول بت مصطفي والدة الاستاذ الجميل محمد عثمان الحلاج، وهذا قليل من كثير، وهذا هو السودان القديم الذي تتجلي عظمته في تماسك نسيجه الاجتماعي، اما اهل الأبيض فكانوا نسيج وحدهم، واذكر عندما تم قبول الابن الدكتور المهندس خالد سيد أحمد عوض الكريم في كلية الهندسة جامعة الخرطوم، وهو ابن شقيق زوجتي أم خالد الأستاذة نجوي عوض الكريم، وكان قد قبل معه في ذات العام، وفي نفس الكلية ابن اختي النور جابر بشير، قلما ذكرت ذلك لخالد سألني( ود اختك عديل، ولا اختك بتاعة ناس كردفان) وقد صدق، فعلي الرغم من أن النور جابر ابن اختي علوية، وابن اخي ايضا، فوالده جابر ابن خالتي، ووالدة جابر وكباشي والد الفريق اول ركن شمس الدين كباشي حالتي لزم، وهي ابنة حبوبتي بخيتة الشقيقة الوحيدة لجدي لوالدتي الشيخ جبارة عمر احد مؤسسي مدينة أم روابة، وشقيقهم نيل والد الحكم الكردفاني المشهور المحاسب عباس نيل، الذي استشهد حفيده محمد عبده يوم أمس الأول في تخوم كازقيل، نسأل الله أن يتقبل شهادته ويسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وابن عمهم ريحان مؤسس أسرة ريحان المشهورة في كردفان، جد اخي الشهيد البطل العقيد داود ريحان، ولكن صدق خالد سيد أحمد فإن علاقات اهل كردفان عموما، وأهل الأبيض بصفة، ومعهم اهل مدنها الكبري مثل أم روابة، وبارا، والنهود، والرهد، لا تحدها أسر ولا قبائل، وإنما يصنعها انصهار تحققه بواتق كردفان القومية،