
تأملات
جمال عنقرة
سعدت مثل سودانيين كثر للمبادرة التي أطلقها الشيخ الطيب الجد باسم “نداء أهل السودان” لجمع شتات أهل هذا البلد، وتوحيد كلمتهم لأقصى حد متاح، وأكثر ما أسعدني في المبادرة أنها أتت من شيخ جليل، له مكانه ومقامه، وهو محل تقدير وإحترام أكثر أهل السودان، إن لم يكن كلهم، ثم أنها قد أتت في وقتها المناسب، والبلد أوشكت أن تدخل في نفق مظلم، واظنها قد دخلت، وصارت مبادرة الشيخ الجد شعاعا في آخر هذا النفق.
وبرغم أن المبادرة قد قطعت شوطا بعيدا في مسارها نحو تحقيق أهدافها العظيمة، لكنها لم تخل من كثير مما يعيب أشياء السودانيين، وينتقص من شأنها، ونحمد الله تعالي أن الفرصة لا تزال قائمة لإدراك ما فات، وتجويد ما اعتل، وإكمال ما نقص، وهذا يستوجب قولا صريحا مباشرا، حتى لا تضيع هذه الفرصة، كما ضاعت سابقات لها من قبل.
فهمي لمبادرة الشيخ الجد أنها لأهل السودان جميعا بلا استثناء، وليست لجهة دون غيرها، وعليها أن تستوعب السودانيين كلهم في حراكها، وليس في خطابها، إلا من أبي، ولكني أجدها غفلت مكونات كثيرة، لا أري ما يحول بينها وبين المشاركة، لو أحسن القائمون علي أمر المبادرة خطابهم، واختاروا لهم المدخل الحسن، وأول ما لفت نظري غياب طرق صوفية كبيرة مؤثرة وفاعلة، ومعلوم أن الصوفية هم عنوان هذه المبادرة، وأقول علي سبيل المثال لا الحصر، من الذين غابوا وكان ينبغي ألا يغيبوا، الشيخ محمد الشيخ حاج حمد الجعلي، شيخ كدباس، والشيخ الياقوت الشيخ محمد الشيخ مالك شيخ الطريقة السمانية الخلوتية، والشيخ الفاتح الشيخ البرعي، والشيخ محمد الشيخ حسن الشيخ الفاتح الشيخ قريب الله، والشيخ أحمد الشيخ دفع الله الصائم ديمة، ولم أر مكاشفية الشكينيبة، ولا عركية طيبة، ولم اتأكد من وجود سمانية الكريدة، وكذلك تيجانية خرسي، ولا خليفة الشيخ الحجاز، ثم أني لا أري ما يمكن أن يحول بين حضور ومشاركة السادة الأنصار، والسادة الختمية، عبر هيئتيهما المعتمدتين، وما قيل عن الطرق الصوفية، يقال أيضا عن الإدارات الأهلية، فالمكون الأهلي هو أيضا من عناوين المبادرة الرئيسة، ولكن للأسف الشديد أن أكثر الذين يتصدرون المشهد في المبادرة بإسم الإدارة الأهلية، ليسوا من زعمائها الحقيقيين، ولا يكفي أن يكون الشخص من أهل بيت الإدارة حتى يضفي عليه لقبها الأول، أمير، أو ناظر، أو مك، أو غيره، فلكل قبيلة أمير واحد، ومك واحد، وناظر واحد، و”مساعد الياي ما ببقي ياي” وهؤلاء المساعدون الذين تقدمهم المبادرة يضرونها، ولا ينفعونها.
وحتى بالنسبة للأحزاب والقوي السياسية، فلا يزال يوجد كثيرون كان من الممكن أن يكونوا جزءا من المبادرة، بل كان من الممكن أن يكونوا في قيادتها، ولعل المثال الأشهر في ذلك الحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل بقيادة مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، ولكن عدم توفيق القائمين علي أمر المبادرة في إختيار المدخل الصحيح عطل مشاركة هذا الحزب العريق، السباق في دعوات التوافق، والثابت عليها أبدا، وأعتقد أن التيار الأصيل والفاعل في المؤتمر الشعبي كان من الممكن أن يشارك بفاعلية، وحتى مجموعات وتيارات قوي إعلان الحرية والتغيير، بما في ذلك مجموعة المركزية، لا أعتقد أنها يمكن أن تختار جميعا اعتزال المبادرة، ولو أن المبادرة قدمت في طبق وسيع لما رفضها حزب الأمة القومي، ولا رفضها المؤتمر السوداني، وحتى كثير من الأحزاب المشاركة، تحتاج إلى مراجعة في التقديم والتأخير، بالنسبة للأحزاب وبالنسبة لقياداتها كذلك، فتقديم البعض يعطي ايحاءات غير مطمئنة، فكثيرون من هؤلاء الذين يتقدمون ايحاءاتهم سالبة، فهذا يحتاج أيضا إلى مراجعة.
وبالنسبة لإعلام المبادرة، فلا غبار علي شكله، ولا علي كثافته، بل هو مخدوم بعناية، ومنفق عليه بسخاء، ولكن ايحاءاته أيضا تضعف من الالتفاف حول المبادرة، وهو أيضا يحتاج إلى مراجعات شاملة وكاملة، من أجل أن تأتي هذه المبادرة الأمل المرتجي، ما ينتظره منها أهل السودان، وتقودنا إلى بر الأمان، ونعبر وننتصر بإذن الله الناصر النصير.