
مدارات للناس هاشم عمر إفطارات الكرامة… يسطع الضوء من قلب العتمة
مدارات للناس
هاشم عمر
إفطارات الكرامة… يسطع الضوء من قلب العتمة
في المدن التي أنهكتها الحرب، يصبح الغروب امتحاناً للروح قبل أن يكون موعداً للطعام. لحظة يتقاسم فيها الناس ما تبقى من صبرهم، وفي الخرطوم، التي نهضت بين الركام كمن يرفض السقوط، وُلدت مبادرة إفطارات الكرامة كأنها محاولة لإعادة ترتيب نبض المدينة، وإيقاظ ما خمد من دفء العلاقات بين الناس.
منذ اليوم الأول للشهر الفضيل، بدأت الموائد تمتد في الارتكازات، وفي الطرقات، وفي النقاط التي يقف فيها رجال الشرطة يؤدون واجبهم. وجبات بسيطة، لكنها محمّلة بمعنى أكبر من محتواها. فالإفطار هنا ليس طعاماً، بل رسالة تقول إن الكرامة لا تُهزم، وإن الإنسان قادر على أن يظل إنساناً مهما ضاقت عليه الدنيا.
تحت رعاية الفريق أول شرطة أمير عبد المنعم فضل، ومتابعة نائبه الفريق شرطة حقوقي الطاهر علي محمد البلولة المفتش العام، وإشراف الفريق شرطة عبد الفتاح محمد عبد الرحمن، تحولت المبادرة إلى فعل يومي يشبه نبضاً ثابتاً في جسد الوطن المتعب. تنفذها الشرطة المجتمعية، لكن روحها تتجاوز حدود المؤسسة، لتصل إلى الناس… إلى الشارع… إلى الذاكرة السودانية التي ما زالت تحفظ معنى الجيرة، و”الجَدّة”، وقيم “سدّ الفُرقة” و”الضرا”.
ما يلفت النظر أن هذه الموائد لا تُقام في البيوت، بل في الشوارع والساحات والأطراف. كأن الإفطار هنا محاولة لإعادة الروح إلى الأماكن قبل البشر. محاولة لقول إن الخرطوم، قادرة على أن تجلس إلى مائدة واحدة، وأن تتذكر أن رمضان ليس شهراً للطعام، بل شهراً للمعنى.
في كل مساء، حين يقترب الأذان، ترى رجال الشرطة يجلسون إلى موائد صغيرة، يبتسمون رغم التعب، ويشكرون رغم الضيق. تلك اللحظة وحدها تكفي لتقول إن السودان، مهما اشتدت عليه المحن، لا يزال قادراً على أن ينهض من قلب العتمة، وأن يخلق من مبادرة بسيطة مساحة واسعة للضوء.
إفطارات الكرامة ليست فعلاً خيرياً فحسب، بل هي درس في أن الوطن يُبنى باللقمة التي تُقدَّم، بالكلمة التي تُقال، وباليد التي تمتد. هي تذكير بأن الكرامة ليست شعاراً، بل ممارسة يومية… تبدأ من طبق يُقدَّم عند الغروب، ولا تنتهي عند حدود المائدة.