الأعمدة

مذيع حيرة،، مسجد ..شعور خسيس،، وساحات الفداء عبد الحليم سر الختم

مذيع حيرة،، مسجد ..شعور خسيس،، وساحات الفداء

عبد الحليم سر الختم

 

أما بعد.. تلقيت من الإبن الباشمهندس علي محمد الماحي من القاهرة رسالة يفيدني فيها بأن (الشيخ ابن عمر) الذي أشرت إليه في مقالتي السابقة قد انتقل إلى جوار ربه في ذات اليوم الذي نشرت فيه المقال.. وأضاف إنها مصادفات القدر والأقدار…

ولقد حزنت حزناً عميقاً ذلك بأننا التمسنا خلال تلك الساعات المحدودة التي قضيناها في قيسان في أواخر العام 87 وأوائل العام 88 في الرجل وطنية صادقة وغيرة على مقدّراته ومعتقداته.. نسأل الله له الرحمة والمغفرة والجنة وحسن العزاء لأسرته وأهله وزملائه…

 

وأما بعد.. تعلمون أنه في مواسم الأعياد ومطلع كل عام تنتشر الأفراح بمناسبات الزواج أو رأس السنة حيث يتسابق الناس في حجز نجوم الشباك من الفنانين الكبار وتنشط دور الفنانين وتنتفخ جيوب المغنين والعازفين بالكنجالات أو الضحاكات.. غير أن كثيراً من أصحاب هذه المناسبات يجدون أن كبار الفنانين قد تم حجزهم من قبل فيلجأون إلى فنانين من الدرجة الثانية أو الثالثة وإلى مطرب الحي الذي لا يطرب ويطلق الناس على هؤلاء لقب (فنان الحيرة) والواقع أن الشباب من مرتادي هذه الحفلات لا يهتمون كثيراً لصوت المغني ولا بكلمات أغانيه وإنما يركزون كل حواسهم على الموسيقى وإيقاعاتها يفرغون بالرقص على أنغامها شحنات المشاعر والأحاسيس التي تنتابهم ولا يهم حينئذ فنان حيرة أو فنان شباك..

 

أسوق هذا الحديث لأنني وجدت نفسي في قيسان في ذلك اليوم أشبه ما يكون بفنان الحيرة ويمكنكم أن تطلقوا علي لقب (مذيع الحيرة) ذلك لأنني اضطررت بعد عودة المذيع المتمكن الطيب قسم السيد لما ذكرنا من سبب مضطراً لأن أدير اللقاءات الإذاعية والتلفزيونية وأن أبعث بالرسائل الصوتية والإخبارية إلى إذاعة ود مدني بصوتي الأجش الذي لا مقارنة بينه وبين صوت زميلي الطيب قسم السيد… وعليه وبعد اللقاءات التي أجريتها صباح ذلك اليوم في التلفزيون مع القادة العسكريين انطلقنا نتجول بأعيننا وعين الكاميرا في أرجاء المدينة مدينة قيسان.. نرصد حالها بعد العدوان.

 

بدت لنا المدينة الجميلة شاحبة الجمال إذ كانت خالية من السكان وكان المتمردون قد استهدفوا مركز القيادة للجيش ومراكز الشرطة والأمن كما أن آثار العدوان كانت بادية على عدد من جدران المؤسسات التي انعدمت فيها الحياة والمستشفيات خالية من الأطباء والمرضى والأدوية والمدارس خالية من المعلمين والطلاب وحتى الطباشير وكذلك بقية المرافق الخدمية وعندما حاولنا أن نتوجه إلى قلب المدينة طلب منا أن نسير خلف طابور من الجنود على بعد مترين أو أكثر ذلك لأن المدينة لم يتم تنظيفها وتمشيطها تمشيطاً كاملاً وربما تكون هناك متفجرات أو ألغام لم تنفجر بعد… وبالفعل تحرك الجنود أمامنا ونحن من خلفهم لم يتخلف منا إلا الزميل أحمد السنوسي الذي يبدو أنه نظر نظرة في التخوم قبل أن يعلن لنا أنه مريض وأن بطنه تؤلمه وكذلك رأسه… غير أننا تعاملنا معه بمقولة المؤمن صديق حتى لا نتهمه بالخوف أو الجبن… تركناه في ظل أحد الأبنية متكئاً على الجدار وواصلنا سيرنا في ربوع المدينة الصامتة،، عندما وصلنا إلى سوق المدينة لم نجد السوق ولم نجد السوق وأما السوق الأولى فتقصد بها السلعة والبضائع فقد نهبت كلها وظلت المتاجر والجزارات خاوية وأما السوق الثانية فهي جمع ساق وما سميت السوق بهذا الاسم إلا لأنها منطقة تجتمع فيها السيقان يتزاحمون على البضائع ما بين مشترٍ وبائع.

 

وأما الصدمة الكبرى التي أحدثت في دواخلنا شرخاً كبيراً هي أننا وجدنا بساط أرضية المسجد الكبير قد استبدلت بكميات كثيفة من الأبعار ومخلفات البهائم أكرمكم الله.. فكما جعل المتمردون من المنازل والمنشآت سكناً لهم كذلك جعلوا المسجد سكناً لبهائمهم وزاد في دواخلنا ألماً أننا وجدنا في داخل المسجد قطعاً متناثرة من ملابس نسوية والأبشع من ذلك وجدنا (عنقريباً) خشبياً كسرت إحدى أرجله جبر كسره المتمردون بمصحفين أو ثلاثة حتى يكتسب العنقريب توازنه… في داخل المسجد أجريت استطلاعاً لأعضاء البعثة.. المصور الفوتوغرافي أزهري حسين والمصور التلفزيوني زروق والمحرر الصحفي صالح بسمة والسائق الطيب إبراهيم وقد أعرب كلهم عن امتعاضهم واستنكارهم لهذا المشهد الذي يجسد حقد المتمردين على الإسلام والمسلمين حسب تعبيرهم فقد كان بالفعل منظراً مؤلماً وفعلاً خسيساً حتى أن فني الصوت والتسجيل علي حسن يونس تداخلت المشاعر والكلمات في إفادته وقال لنا بصوت مفعم بالغضب حينما سألته عن شعوره (هذا شعور خسيس)…

بعد جولة واسعة رصدنا فيها رصداً شاملاً لواقع مدينة قيسان في اليوم التالي لتحريرها عدنا أدراجنا للدمازين وعكفنا على تحرير الأخبار والرسائل الصوتية ودفعنا بها إلى رئاسة الوزارة بود مدني وعبرها للإذاعة والتلفزيون وسونا بالإقليم والمركز ولكن الذي يؤلم حقاً أنه وبعد سنوات من هذا الحدث وبعد أن تغير نظام الحكم وظهر على شاشة التلفزيون القومي برنامج في ساحات الفداء فوجئت ذات يوم بأن أسرة هذا البرنامج استعرضت التسجيل الذي أجريناه في مسجد قيسان دون أن تشير إلى مصدره أو بالأحرى وكأنما أسرة البرنامج هي التي وثقت هذا الحدث ولقد حز في نفسي كثيراً هذا التصرف وبيد أننا جميعاً لم نشأ أن نثير هذه المسألة لسبب أراه جوهرياً هو أننا لم نكن نطمع في شهرة أو مكسب شخصي بل كنا نؤدي من منطلق أمانة المسؤولية فهو واجب على أعناقنا تجاه الوطن ولعلني أكرر هنا ما بدأت به سلسلة هذه المقالات وهي أن التاريخ لا يعيد نفسه ولكن الأحداث قد تتكرر والواجب علينا أن نستفيد من هذه الدروس والعبر خاصة وأن مناطق النيل الأزرق قد تكررت فيها الأحداث العدوانية المؤسفة وأرجو أن تكون آخرها ما نتابعه الآن في مناطق الكرمك وقيسان واستبسال جنود القوات المسلحة ضباطاً وضباط صف وجنوداً في ساحات الفداء… وبإذنه تعالى نختتم في مقال قادم مقال الكرمك وقيسان ونتحدث عن العودة إلى الديار.. حتى ذلك الحين لكم جميعاً تحياتي وأخص بالذكر زملائي رفاق تلك المهمة التي لا تنسى…

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى