
من أعلى المنصة ياسر الفادني الكونغرس يضع أصبعه على الجرح السوداني.. فمن يرتبك الآن؟
من أعلى المنصة
ياسر الفادني
الكونغرس يضع أصبعه على الجرح السوداني.. فمن يرتبك الآن؟
تحرك مجلس النواب الأمريكي نحو مناقشة مشروع قانون يحمل في طياته ما يشبه إعادة رسم المشهد السوداني من جديد، بعد شهور طويلة ظل فيها الدم السوداني وقوداً لحرب عبثية تمددت بأصابع خارجية، وأموال عابرة للحدود، وصمت دولي بارد لا يسمع أنين المدن المحاصرة ولا يرى وجع المدنيين تحت الركام.
اليوم، تقف لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي أمام مشروع قانون يدين الاعتداءات على المدنيين في السودان، ويدعو بوضوح إلى وقف الدعم الخارجي في خطوة تبدو وكأنها بداية انقلاب سياسي على سنوات من التواطؤ الدولي الرمادي الذي كان يراقب المشهد السوداني بعين المصالح لا بعين العدالة
اللافت أن مشروع القرار لم يأتِ هامشياً أو مرتبكاً، بل حظي بتأييد واسع داخل أروقة الكونغرس، فيما وقفت قلة محدودة في الاتجاه المعاكس، وهو ما يعكس تحولاً كبيراً في المزاج السياسي الأمريكي تجاه الحرب في السودان، خاصة بعد التحركات المكثفة التي قادتها القيادة السودانية أخيراً لكشف حجم التدخلات الخارجية ومسارات التمويل والدعم التي أطالت أمد المأساة
القرار يطالب بشكل مباشر بوقف أي دعم مادي يصل إلى قوات المليشيا، ويضع إدارة دونالد ترامب أمام اختبار سياسي وأخلاقي حقيقي، عبر الدعوة لاتخاذ إجراءات واضحة وحازمة لإنهاء التدخلات الخارجية، والدفع نحو تسوية تنهي الحرب وتعيد الحكم الراشد
لكن ما وراء الكلمات أكبر من مجرد صياغة دبلوماسية.
فالرسالة التي بدأت تتشكل داخل واشنطن تقول إن السودان لم يعد ملفاً منسياً كما كان يظن البعض، وإن صور المجازر والنزوح والانهيار الإنساني بدأت تحاصر الضمير الغربي وتدفع باتجاه مراجعة مواقف ظلّت لوقت طويل مترددة أو متواطئة بالصمت
الأهم في المشروع أنه لا يتوقف عند حدود وقف إطلاق النار، بل يذهب أبعد من ذلك حين يدعو المجتمع الدولي إلى دعم جهود العدالة الانتقالية، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم القتل الجماعي والعنف الجنسي والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، وهي عبارات تحمل إشارات قاسية لكل من اعتقد أن الحرب يمكن أن تُطوى بلا حساب
هنا تحديداً يبدأ القلق الحقيقي لدى الذين أشعلوا النار، أو الذين ضخّوا الزيت فيها ،لأن لغة المصالح حين تتحول إلى لغة مساءلة، فإن كثيراً من الملفات السرية تبدأ بالخروج من الأدراج المغلقة وكثير من الأسماء التي كانت تتحرك في الظل تبدأ فجأة في مواجهة الضوء.
السؤال الآن ليس فقط: هل يمر القرار؟
بل: هل نحن أمام بداية تحول دولي يعيد تعريف الحرب في السودان باعتبارها جريمة سياسية وإنسانية مكتملة الأركان، لا مجرد صراع داخلي؟
التحرك الأمريكي، مهما كانت دوافعه، يكشف أن القيادة السودانية استطاعت أخيراً أن تنقل الرواية السودانية إلى الطاولة الدولية بعد أن ظلت لوقت طويل تُختطف بواسطة حملات التضليل واللوبيات والضخ الإعلامي المنحاز
وإذا كانت السنوات الماضية قد شهدت اختلالاً فادحاً في موازين السردية، فإن ما يحدث الآن يوحي بأن الطاولة بدأت بالفعل تهتز تحت أقدام الذين ظلموا السودان، والذين ظنوا أن الخراب يمكن أن يستمر بلا نهاية، وأن الدم السوداني مجرد رقم عابر في نشرات الأخبار
إني من منصتي أنظر …. حيث أري … أن السودان، رغم الجراح، لا يزال قادراً على قلب المعادلات.
وحين يبدأ العالم في سماع الحقيقة متأخراً، فإن ذلك أفضل من أن يظل أصماً إلى الأبد.