الأعمدة

من أعلى المنصة ياسر الفادني المليشيا… بين كل مُنْسَلخ ومُنْسَلخ… مُنْسَلخ !!

من أعلى المنصة

ياسر الفادني

المليشيا… بين كل مُنْسَلخ ومُنْسَلخ… مُنْسَلخ !!

في الأيام القادمة سنسمع كثيراً عبارة: (عدنا إلى حضن الوطن) ! بل ستكون عنواناً لمرحلة كاملة من التفكك والانهيار داخل المليشيا، بعد أن بدأت قيادات وعناصر عديدة تدرك أن المركب يغرق، وأن البقاء داخله لم يعد بطولة بل انتحاراً مؤجلاً

 

المليشيا الآن تمر بأحلك مراحلها: فوضى تضرب أوصالها، ارتباك في القيادة، هشاشة في السيطرة، وانعدام ثقة يأكل جسدها من الداخل كما تأكل النار هشيم الصيف، ما يحدث…. حالة تسلخ جماعي صامت، تتزايد يوماً بعد يوم، لأن الذين دخلوا الحرب تحت شعارات زائفة اكتشفوا أنهم مجرد وقود لمعركة لا تشبههم ولا تحفظ لهم كرامة ولا حقاً

 

أكبر الضربات التي مزقت النسيج الداخلي للمليشيا كانت سياسة التمييز التي انتهجها قادتها، حين تم الاعتماد بصورة متزايدة على العنصر النخبوي الماهري، بعد أن فقدت القيادة ثقتها في كثير من المقاتلين الذين جاؤوا من قبائل أخرى، هذا الأمر خلق حالة احتقان مكتومة، لكنها اليوم خرجت إلى العلن بصورة لا تخطئها العين

 

ولعل ما حدث داخل أوساط المسيرية كان القشة التي قصمت ظهر الثقة المهترئة أصلاً؛ إذ شعر كثير من عناصرها بالإهانة بعد تقريب عناصر من النوير ومنحهم نفوذاً واسعاً وسط المليشيا، بل وتكليف بعضهم بمهام السيطرة والإشراف، في مشهد اعتبره كثيرون إذلالاً داخل عقر الديار، هذه الخطوة لم تُنتج ولاءً جديداً بقدر ما فجّرت غبناً قديماً، وجعلت كثيراً من القيادات تبحث عن أقرب مخرج للنجاة، ولو كان عبر الاستسلام

 

ثم جاءت الأزمة الأكبر …نقص التشوين والوقود، بينما تُخصص الموارد القليلة المتبقية لقوات النخبة الماهرية، في حين تُترك بقية المجموعات تواجه الجوع والتيه والموت البطيء، حتى ملف الجرحى والهلكى كشف الوجه الحقيقي للمليشيا؛ فهناك من يُعالج في الخارج وتُفتح له الأبواب، وهناك من يُترك ينزف بلا دواء ولا اهتمام، وكأن الدم درجات، وكأن الموت نفسه يُدار بسياسة (الخيار والفقوس) !

 

أما أسر القتلى من بعض القبائل، فقد اكتشفت أن الوعود التي قُدمت لها كانت مجرد دخان حرب، فلا تعويضات، ولا رعاية، ولا حتى كلمة وفاء، فقط صمت بارد، وتنكر فاضح، وقيادات تهرب إلى الأمام تاركة خلفها جثثاً وأسئلة وغضباً يتراكم

 

كل هذه الانسلاخات ستتحول إلى معول يهدم ما تبقى من تماسك المليشيا، فالتنظيم الذي يأكل أبناءه، ويميز بينهم، ويزرع الإهانة في نفوس مقاتليه، لا يحتاج إلى عدو ليسقط، لأنه يحمل سقوطه في داخله

 

إني من منصتي انظر …. حيث أري …. أن المشهد الآن يقول إن المليشيا لم تعد تقاتل بروح واحدة، بل بأشلاء روح، وكل يوم يمر يفقدها جزءاً جديداً من قدرتها على الصمود، وهذا ما يمنح القوات المسلحة فرصة كبيرة في المرحلة المقبلة؛ فرصة لا لمجرد المواجهة، بل لاصطياد فريسة بدأت تنزف من الداخل، وتتهاوى قبل أن تصلها الطلقة الأخيرة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى