
من أعلى المنصة ياسر الفادني زُقَاق مِضَلِّم.. في آخرو كلب!
من أعلى المنصة
ياسر الفادني
زُقَاق مِضَلِّم.. في آخرو كلب!
حكى لي أحد الأحبة، ويسكن في قرية من قرى الجزيرة، أنه ذات مرة كان يقف على طرف الشارع، فإذا برجل يعرفه جيداً يمر أمامه وهو (قايم صوف) !، كما نقول في العامية السودانية، يمسك بطرف جلابيته في فمه و يجري جرياً شديداً، حتى إن هذا الرجل، من شدة سرعته، لم يلتفت إليه ولم يرَ من يقف أمامه ولا الذي بجانبه …(جرية من أمَّا )!
قابله صاحبنا وقال له: (يا فلان، رأيتك قبل يومين ) جاري جري الكلب في اللوبة ! ، بل كأنك تجري على إيقاع شاعر الأغنية: شوف عيني جريتو!» فرد عليه الرجل، وهو يحاول التقاط أنفاسه عندما تذكر الموقف (يعني لسه الخوفة ما مرقت منو) ! نعم، خشيت زقاقاً مظلماً، وفي آخره كلب. وما إن سمعت الكلب يقول: (هوهوهوهو)، حتى فكيت البيرق (والسايرينا في ركبي) كما رأيتني بالضبط!.
هذه الحكاية الطريفة، على بساطتها، تذكّرني بحال بعض النشطاء الذين يعيشون اليوم في عواصم مختلفة، ويتبجحون هنا وهناك ضد وطنهم، بعد أن أدخلتهم دويلة الشر في زقاق سياسي مظلم، ثم تركتهم يواجهون نهايته وحدهم، ظلوا يرفعون أصواتهم ويطلقون البيانات، ويتحدثون عن السودان وكأنهم اكتشفوا الوطنية بعد أن غادروا السودان!
لكن يبدو أن المشكلة ليست في الزقاق وحده، وإنما في أن الذين دخلوا إليه بدأوا يسمعون (الهوهوة) في آخره، ولذلك صار بعضهم يجري سياسياً من عاصمة إلى عاصمة، ومن مؤتمر إلى مؤتمر، ومن بيان إلى بيان، وكلما انتفخت جيوبهم فكرة ازداد معدل الجري!
الحقيقة أن مبادرة تهيئة الحوار السوداني السوداني قد تكون فرصة حقيقية لهؤلاء للخروج من ذلك الزقاق المظلم، والعودة إلى حضن الوطن، والجلوس مع أبناء السودان للبحث عن مخرج سوداني للأزمة السودانية
والخروج هذه المرة لا يحتاج إلى جري ولا إلى( فك البيرق) ، بل يحتاج إلى شيء بسيط جداً: قليل من الشجاعة وكثير من العقل
القيام صوف للزول الكبير شين والله! ثم إن الركض السياسي لا يليق بمن ظل يحدثنا سنوات عن الحكمة والرشد والديمقراطية
الأفضل أن يمشي الواحد منهم بهدوء، ويرفع رأسه، ويقول: أخطأنا، والآن نريد أن نعود إلى الطريق الصحيح
أما الذين سيصرون على البقاء في ذلك الزقاق، فأنا أنصحهم ألا يكثروا من الالتفات إلى الخلف، لأن الكلب، كما تعلمون، لا يهمه تاريخ الشخص ولا عدد البيانات التي أصدرها، ولا يعرف الفرق بين ناشط وسياسي ومحلل استراتيجي؛ كل ما يعرفه أنه إذا سمع حركة في آخر الزقاق قال: هو ثم ينطلق العريد خوفا منه
إني من منصتي أنظر …. حيث أقول أن باب الحوار قد فُتح، ومن أراد الخروج من الزقاق فليخرج ماشياً وبكل هدوء، وليترك ولا داعي لرفع الجلابية في الخشم مع قومة النفس و التمزق الذي يصيب القايم صوف أيام ، الجري للزول الكبير شين !.