الأعمدة

من أعلى المنصة ياسر الفادني ضاقت فلما استحكمت حلقاتها… فُرِّجت !!

من أعلى المنصة

ياسر الفادني

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها… فُرِّجت !!

في حياة الأوطان أيام تشبه الوقوف على حافة الهاوية، يظن فيها الناس أن الأرض قد ضاقت بما رحبت، وأن الأبواب كلها قد أُغلقت، وأن الريح لا تحمل إلا أخبار الحزن ، لكن السودان، هذا البلد الذي تعلّم من النيل الصبر، ومن سنابل الجزيرة الثبات، ومن دماء الشهداء معنى الكرامة، ظل في كل مرة ينهض من بين الركام ليقول للعالم: لم ننكسر بعد… ولن ننكسر

 

كم تمنّى الأعداء أن يروا الأبيض باكية، وكم رسموا في مخيلاتهم مشاهد النزوح والخوف والدموع، تحدثوا كثيراً عن المدينة وكأنها سقطت، وأقاموا سرادق الأحزان قبل وقوع الحدث، وحملوا أكفاناً سياسية مطرزة بالكذب والنفاق، لكن الله كان يكتب سطراً آخر في كتاب القدر

هناك رجال لم يناموا.

هناك أمهات رفعن أكفهن في الأسحار.

هناك آباء أجهشت قلوبهم بالدعاء.

وهناك جنود وقفوا بين الوطن والموت، لا يملكون إلا إيمانهم وبنادقهم ويقينهم بأن الله لا يخذل الصادقين ، فجاءت البشارة…وسقطت أحلام المعتدين قبل أن تصل إلى أسوار الأبيض، وتحولت خططهم إلى حطام، وتحولت صيحاتهم إلى عويل في نيالا والضعين وغيرها من المدن التي أثقلتها المآسي وكأن الله أراد أن يقول للسودانيين جميعاً: ما دام في هذه الأرض من يسجد له مخلصاً فلن يتركها للضياع

ولأن الله إذا فتح باباً للفرج فتح معه أبواباً أخرى، جاء الخبر الذي انتظره المزارعون طويلاً، أولئك البسطاء الذين يضعون بذورهم في التراب وهم لا يملكون إلا الأمل، أولئك الذين أنهكتهم الحرب وأرهقتهم الظروف، ثم ظلوا واقفين كالنخيل لا ينحنون ،كم من مزارع نام مهموماً على مستقبل أبنائه؟

كم من أم كانت تخشى أن يأتي الموسم بلا زاد ولا حصاد؟

ثم جاء القرار برفع سعر السلم الي ١٥٠ الف جنيه كأن نافذة من الضوء قد فُتحت في جدار التعب، فعادت الابتسامة إلى الوجوه، وعادت الأحلام إلى الحقول، وعاد الحديث عن موسم أخضر يكسو الأرض فرحاً بعد طول انتظار

 

وفي الوقت الذي تتجمع فيه بشائر الفرج هنا وهناك، تتساقط أوراق المليشيا اليابسة واحدة تلو الأخرى، فالكيان الذي بُني على الدم لا يعرف الاستقرار، والذي جمعته الأطماع تفرقه المصالح، والذي حمل السلاح ضد وطنه لا بد أن يأكله الشك من داخله ، اليوم تتحدث الانشقاقات بلسانها وتتحدث الخلافات بصوت أعلى من الرصاص

ويتآكل الجسد الذي ظن نفسه يوماً قادراً على هزيمة وطن بأكمله

 

لكن أعظم ما يحدث في السودان ليس في ساحات القتال، ولا في الأسواق، ولا في أروقة السياسة.

أعظم ما يحدث هو ذلك المشهد الذي لا تلتقطه الكاميرات…

عجوز ترفع يديها بعد الصلاة وتقول: اللهم احفظ السودان ، أم شهيد تمسح دمعتها وتقول: الحمد لله

طفل ينام وهو يحلم بعودة مدرسته،

مزارع ينظر إلى السماء مترقباً المطر.

وجندي يقف في المتراس وهو يردد: لن نعبر إلا بالنصر

هذه الدعوات هي التي تحرس البلاد.

وهذه القلوب هي التي تبقي الوطن حياً وهذا الإيمان هو الذي جعل السودان يصمد حين سقطت دول، ويقف حين انهارت جيوش، ويبتسم رغم الجراح التي كانت تكفي لإسقاط جبال

 

يا أهل السودان…

إذا رأيتم الليل يطول فلا تخافوا، فالفجر لا يضيع طريقه ، وإذا رأيتم المحنة تكبر فلا تيأسوا، فالله أكبر منها ، وإذا رأيتم الجراح تنزف فلا تنحنوا، فالأوطان العظيمة لا تُبنى إلا بالصبر ،ثقوا أن وراء هذا الألم فرحاً بحجم السودان وأن وراء هذه الدموع ابتسامة تنتظر موعدها ، وأن وراء هذا الركام وطناً سيولد من جديد أكثر قوةً وعزةً وكبرياء فما مرّ السودان بهذه النار إلا ليخرج منها أصلب عوداً، وأشد بأساً، وأقرب إلى النصر

 

إني من منصتي أنظر … حيث أقول: ضاقت… نعم.

واشتدت حلقاتها… نعم، لكن الله الذي حفظ السودان بالأمس، يحفظه اليوم، وسيحفظه غدا ،وسيفتح لهذا الشعب باباً من الفرج، حتى ينسى من شدته كل هذا الوجع.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى