
من أعلى المنصة ياسر الفادني مجذوب أونسة… لمن تفوت إنت… في الدنيا بس شن ليا ؟
من أعلى المنصة
ياسر الفادني
مجذوب أونسة… لمن تفوت إنت… في الدنيا بس شن ليا ؟
لم أتمالك نفسي وأنا أسمع خبر رحيل الصديق العزيز، الأخ الأستاذ مجذوب أونسة ، بعض الأخبار لا تدخل الأذن فقط… بل تدخل القلب كخنجرٍ بارد، وتترك الروح واقفةً في منتصف الذهول لا تعرف كيف تبكي
مجذوب لم يكن مجرد فنان بالنسبة لي، بل كان إنساناً جميلاً بكل ما تعنيه الكلمة، رجلٌ لا تفارق الابتسامة ثغره أبداً، يحمل قلباً أبيض كأغنياته، ويحب أن يجمع الناس لا أن يفرقهم، كان بسيطاً بصورة نادرة، وعميقاً بصورة موجعة، وكل من اقترب منه عرف أنه ينتمي إلى زمنٍ مختلف… زمن الناس الطيبين
كان يحدثني كثيراً عن تجاربه الفنية والإنسانية، وكان يحكي بحبٍ طفولي عن البدايات، وعن رهبة الأغنية الأولى، وعن ارتعاشة الإحساس حين يلتقي الصوت بالكلمة
قال لي ذات مرة:
عند أول بروفة له بالعود في أغنية عزيز إنت يا وطني لم يستطع مواصلة الغناء، وتوقف قبل أن يكمل الكوبليه الذي قام بتبديله. كانت العاطفة أكبر من صوته، وكان الوطن يومها يسكن حنجرته حتى الاختناق واليوم… رحل صاحب عزيز إنت يا وطني، وترك الوطن حزيناً عليه
دا ما سلامك…
جينا بعد الفرقة نسأل: هل نجدك أم لا؟
كل أغنية من أغنياته أصبحت الآن تشبه مرثية مبكرة، وكأنه كان يودعنا منذ سنوات دون أن ننتبه
أما (أقدار يا نور عيني) ، فكانت واحدة من أعظم ما غنى، أبدع فيها بصورة لا تشبه إلا مجذوب نفسه، إحساسٌ يمشي على أطراف الأصابع، وصوتٌ يتحسس الكلمة بحنان، كأن الأغنية ليست لحناً بل قلبٌ ينبض
ولعله اليوم ودع القماري فعلاً…
بعد أن قال: (جيت أودعك يا قماري) تلك الأغنية الخالدة التي أصبحت هذا المساء أكثر حزناً من أي وقت مضى
اني من منصتي اقول بدمع هتون: ما كنت متصور في يوم أجيك مغلوب…
شايل جرح دنياي من زول أكان محبوب
الدنيا يا ما توري…
والدهر يا ما يقري…
لمن تفوت إنت في الدنيا… بس شن ليا؟
أي فراغٍ هذا الذي تركه رحيلك يا مجذوب؟
وأي صمتٍ ثقيل هذا الذي نزل على قلوبنا فجأة؟
رحل عصفورٌ زاهي الألوان، عذب الصوت، رحل رجلٌ بقامة الزمن الجميل، ترك أثراً لا تمحوه الأيام، لأن الفنان الحقيقي لا يعيش في المسرح فقط… بل يعيش في ذاكرة الناس، وفي لحظات وجعهم وفرحهم وحنينهم
وداعاً يا مجذوب أونسة…
وداعاً يا صوتاً كان يربت على أرواحنا كلما ضاقت الحياة.
نم قرير العين في رحاب الخالدين،
فأمثالك لا يموتون… بل يتحولون إلى أغنيات لا تغيب.