الأعمدة

من أعلي المنصة  ياسر الفادني  الجزيرة… الجرح الذي التأم دون ضماد

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

الجزيرة… الجرح الذي التأم دون ضماد

من بتري شمالاً إلى ديم المشايخة جنوباً، ومن الخياري شرقاً حتى تخوم النيل الأبيض غرباً، تمتد ولاية الجزيرة كقصيدةٍ مفتوحة على الأمل، وكذاكرةٍ لم تعرف في يومٍ من الأيام سوى السلام، والمحبة، والخير

أرضٌ كان حمل العصا فيها مدعاة دهشة، وكان ترك الأبواب مفتوحة طقساً يومياً لا يخيف، لأن الداخل لا يكون إلا قطةً تبحث عن دفء، أو كلباً يلوذ بظل

هنا، في هذه الرقعة الوادعة، لم يكن الرصاص لغة، ولا الخوف عادة، ولا الإذلال خبزاً يومياً، كانت الجزيرة تعيش على نبض الطمأنينة، وتنام على وسادة السكينة ، حتى جاء الأوباش، فاقتحموا المشهد بالعربات المدججة، وكأنهم جاءوا ليختبروا صبر الأرض، ويكسروا مرآة الإنسان ، فرّ كثيرون حفاظاً على أرواحهم، وبقي آخرون يواجهون الموت بصدرٍ أعزل، لا يسمعون إلا أزيز الرصاص، ولا يرون إلا مشاهد الإهانة والذل

كانت أياماً ثقيلة، اختنق فيها الهواء، وانكمش فيها الأمل، وتكسرت فيها القلوب على أبواب البيوت ، لكن الجزيرة كعادتها لا تموت، تنهض، ولو من تحت الركام، تشق طريقها وسط الرماد، وتسترد وجهها من بين أنياب الخراب

تحررت الجزيرة، وطُرد الأوباش، فعادت المدن والقرى إلى مجدها القديم، وكأن شيئاً لم يكن، ود مدني اليوم ليست تلك المدينة التي عبرتها الحرب، بل مدينة تمسح عن وجهها آثار العاصفة، وتبتسم من جديد، من يزورها الآن لا يرى للحرب ظلاً، ولا يجد لها أثراً، إلا في مبنى بنك السودان بشارع النيل، ذلك الشاهد الصامت الذي ينتظر أن يُجمَّل ليغلق آخر صفحة في دفتر الوجع

 

الحياة عادت كاملة الدسم، الأسواق عامرة، السلع متوفرة، الحقول انطلقت وعداً وتمني، والخير انداح كما ينداح النيل في موسمه، بلا حساب، التكايا انتشرت على الطرقات، وفي المستشفيات، وفي الأزقة، لتقول إن إنسان الجزيرة لم ينسَ قيمه، ولم تسرق الحرب إنسانيته، ولم تطفئ نار التكافل في صدره. هنا، لا يزال الخبز يُقسم، والماء يُشرب جماعة، والدعاء يُرفع للجميع

 

الجزيرة اليوم ليست مجرد أرض تحررت، بل روح استعادت نبضها، قصة شعبٍ كُسر ولم ينكسر، أُنهك ولم يستسلم، جُرِّد من الطمأنينة، فعاد ليخترعها من جديد، هي درس في أن الأوطان لا تُقاس بكمية الدمار، بل بقدرتها على النهوض، وعلى الغفران، وعلى تحويل الألم إلى طاقة حياة

 

إني من منصتي أنظر …حيث أقول : سلامٌ على الجزيرة، وهي تفتح( شبابيكها) للشمس من جديد، وتغسل شوارعها من غبار الخوف، وتزرع في صدر السودان معنى أن الوطن، مهما جار عليه الليل، لا بد أن يشرق.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى