الأعمدة

من أعلي المنصة ياسر الفادني كان مريضاً… الآن دخل في غيبوبة!!

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

كان مريضاً… الآن دخل في غيبوبة!!

ظل المرتب مريضاً منذ سنوات، يعاني داءً عضالاً، والآن يبدو أنه دخل في غيبوبة كاملة، ولا أحد يعرف متى يستعيد وعيه، أو إن كان سيستيقظ أصلاً!

 

انظروا إلى المشهد من حولنا، أسعار السلع الأساسية ترتفع بصورة تكاد تبلغ حد الدهشة، وكل يوم تفاجئ المواطن بوجه جديد من وجوه الغلاء، المواصلات أصبحت معركة أخرى لا تقل قسوة عن معركة الأسواق، حتى إنك إذا ظفرت بمقعد في وسيلة مواصلات هذه الأيام….شعرت كأن الدنيا قد حيزت لك بحذافيرها! أما العامل الذي يخرج من منزله صباحاً، فلا يعرف كيف سيعود، ولا كم سيكلفه الذهاب والإياب، ولا كيف سيقسم ما تبقى من مرتبه بين الطعام والشراب والعلاج والتعليم وبقية ضرورات الحياة

 

المؤلم أن هذا العامل أو الموظف قد يتقاضى مرتباً، إذا جاء في موعده، لا يكفيه لتغطية تكاليف يوم واحد من المعيشة، ناهيك عن شهر كامل. وربما استطاع أن يدبر أمر الطعام والشراب، لكنه سيقف عاجزاً أمام بقية الاحتياجات التي لم تعد كماليات كما يظن البعض، بل تحولت هي الأخرى إلى ضروريات لا تستقيم الحياة دونها.

المشكلة الحقيقية أن هناك اختلالاً صارخاً في ميزان العلاقة بين المرتبات وتكاليف المعيشة ، الأسعار تصعد بمتوالية هندسية، والمرتبات تقف في مكانها كأن الزمن توقف عندها!

 

كل شيء يتحرك إلى أعلى إلا دخل العامل، وكل شيء يطلب المزيد من النقود إلا المرتب الذي يبدو أنه فقد القدرة حتى على مجاراة أنفاس السوق، والأغرب أن زيادة المرتبات أصبحت ضيفاً دائماً على الموازنات العامة، نقرأ عنها في الفصل الأول، وتُذكر لها نسب وأرقام، وتُكتب بشأنها عبارات تبعث الأمل، لكن ما بين الورق والواقع مسافة شاسعة، تظل الزيادة حبراً على ورق، ثم ترحل إلى موازنة العام التالي، وكأنها مشروع مؤجل لا موعد محدداً لتنفيذه، أو حكاية (المسكينة… قالوا مُرَّحَلة)! وهكذا تتكرر الوعود، وتتبدل السنوات، ويبقى المرتب في غرفة العناية المركزة!

 

ومع ذلك، ما زال العامل والموظف وفياً لوظيفته، يحضر إلى مكتبه، ويؤدي واجبه، ويفتح نوافذ الخدمة أمام المواطنين، ويواصل العمل رغم أن ما يتقاضاه لا يوازي ما يبذله من جهد، لم يتخلَّ عن موقعه، ولم يترك مسؤوليته، ولم يجعل من ضيق معيشته مبرراً للتوقف عن أداء واجبه، لكن إلى متى يُطلب منه أن يعطي وهو لا يجد ما يكفيه؟ وإلى متى تظل الدولة تنتظر منه الانضباط والإنتاجية والالتزام، دون أن تضع في حسابها أن لهذا الإنسان بيتاً وأطفالاً والتزامات لا تنتظر نهاية العام المالي؟

 

إن الموظف لا يشكو الأمرَّين فحسب، بل يشكو المُرَّات، وزد عليها كيل بعير! فهو بين مطرقة الغلاء وسندان المواصلات، وبين التزامات لا ترحم ومرتب لا يسمن ولا يغني من جوع والأسوأ من ذلك أن كثيراً من هؤلاء يعيشون على الاستدانة، ويستقبلون نهاية الشهر بديون الشهر الذي سبقه، حتى أصبح الراتب القادم محجوزاً قبل أن يصل إلى جيب صاحبه!

 

إن إصلاح الخدمة العامة لا يبدأ فقط بالمطالبة بالانضباط وتحسين الأداء، بل يبدأ أيضاً بإنصاف الإنسان الذي يقف خلف المكتب، ويحمل مسؤولية العمل، ويقدم الخدمة للمواطن. فالمرتب ليس منحة، ولا صدقة، ولا منّة من أحد، وإنما حق مقابل عمل، ووسيلة تحفظ للعامل كرامته، ولأسرته الحد الأدنى من الاستقرار

المطلوب ليس مجرد إعلان زيادة جديدة في الموازنة، ولا أرقاماً جميلة تتصدر صفحات التصريحات، بل سياسة أجور حقيقية تضع تكاليف المعيشة في مقدمة حساباتها، وتربط المرتبات بحركة الأسعار، وتضمن انتظام صرفها، حتى لا تبتلع الأسواق كل زيادة قبل أن يشعر بها صاحبها.

فلا يمكن أن نطالب العامل بأن ينتج أكثر، وأن يصبر أكثر، وأن يتحمل أكثر، بينما مرتبه يواصل احتضاره أمام عينيه. ولا يمكن أن نتحدث عن إصلاح اقتصادي وخدمة عامة فاعلة، والإنسان الذي يمثل عماد هذه الخدمة عاجز عن توفير وجبة كريمة لأطفاله.

كان المرتب مريضاً، فتركوه دون علاج، ثم دخل في غيبوبة، وما زال الجميع يتعاملون معه كأنه بخير! لكن الحقيقة التي ينبغي أن تُقال بوضوح: حين يموت المرتب قبل نهاية الشهر، تبدأ معاناة أسرة كاملة قبل أن يبدأ الشهر الجديد

 

إني من منصتي أنظر… حيث أرى…. أن كرامة العامل لا تُحفظ بالشعارات، ولا تُصان بوعود الموازنات، وإنما بمرتب يكفيه أن يعيش، لا أن يظل طوال الشهر يبحث عن طريقة ينجو بها من الحياة!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى