مقالات

من عمارة الفيحاء إلى دونكي الختيماية_سودري في عامين و ربع عام ! 1-3

بقلم :أحمد الشين الوالي

في ٢٣ أغسطس ١٩٩٦م عبر التلفون الداخلي طلب مني الدكتور موسى كرامة ، نائب المدير العام لبنك فيصل الإسلامي السوداني ، أن آتيه في مكتبه . و خلال دقائق كنت معه فأنا في الطابق الخامس و هو في السابع . و وجدت معه مَنْ أعتز بخوته عبد الرحيم يعقوب حامد العالم ، رحمهما الله ، و آخر معهما . لخص دكتور موسى الأمر يقول لي إن كانت لنا مكانة عندك نرجوك قبول التماسنا قبول القرار الرئاسي الذي سيصدر وشيكاََ ، يشملك ضمن آخرين ، يعينك في منصب دستوري . كان ذلك أسوأ ما سمعت – أمر أرفض أن أساوم فيه بإخاء أو عداوة ، و انتهت الجلسة دون التزام بما طلبوا .
استمعت للقرار الجمهوري ليوم ٢٥ أغسطس ١٩٩٦م الذي عين ولاةََ لولايات و وزراء اتحاديين و وزراء ولائيين و محافظين ضمنهم اسمي محافظاََ لسودري في ولاية شمال كردفان . و مع القرار التنويه بأداء القسم بالقصر الجمهوري يوم ٢٦ أغسطس الجاري . بعد تنازع داخلي ، و أخذ و رد ، دخلت القصر الجمهوري مباشرة إلى القاعة المحددة أداءََ للقسم فكنت ضمن المصطفين حول التربيزة المستطيلة يستعدون للقسم ، و المصحف الشريف موزع أمامهم . وقف رئيس الجمهورية مواجهاََ لجهتي و معه رئيس القضاء و وزير القصر عبد الرحيم محمد حسين . و لما وضع الجمع أيديهم على المصاحف ناداني الوزير عبد الرحيم محمد حسين : الشين . قلت : نعم . قال : ضع يدك جيداََ على المصحف . و بجواري العميد الركن م . حمد عبد الكريم السيد ، رحمه الله رحمة واسعة ، علق مخاطباََ الوزير : سعادتك ، هذا لا يكفيه مصحف واحد . و أخذ مصحفاََ بجواره و وضعه على المصحف الذي أضع يدي فوقه ، و رئيس القضاء و رئيس الجمهورية يسمعان و يشهدان و الحضور ، و الله خير الشاهدين ، و لم يصدر توجيه أو تعليق على ما جري ، فأنا الوحيد الذي أدى القسم ، في سابقة لن تتكرر ، على مصحفين اثنين – من طبعة مؤسسة الملك الفهد .
و لما عالجت أموري و وفقت أوضاعي قررت المغادرة إلى المحافظة في مطلع أكتوبر ١٩٩٦م ، فذهبت للشيخ الترابي مودعاََ ، و سألته وصيةََ أو نصحاََ فأشار إلى لسانه بأصبعه السبابة يقول : كيف لسانك؟ فالقوم الذين ستعمل بينهم أهل لغة و لسان عربي مبين هم خلف للذين كانوا يكتبون المعلقات الشعرية يعلقونها في الكعبة . رددت عليه : إن تجربتنا معكم كان الكلام فيها قليل كله سر و التنظيم الخفي لا شعر فيه ، و بإذن الله تعالى سأتعلم فيهم و منهم الكلام و الخطابة . و قلت له عندي كتابات في تجربة الرسول النبي في المغازي و ميدان القتال أتممه إن وجدت متسعاََ من الوقت ، هل من نصح؟ قال : ركز على القرآن الكريم . و في وداعي لعم ياسين عمر قال لي : اهتم بالإعلام ، و كل عمل تقوم به يجب أن يكون موثقاََ مسموعاََ عبر المذياع و التلفزيون . رحم الله شيخ حسن الترابي و ياسين عمر رحمة واسعة ، و رحمنا و وطننا .
* * *
مررت عبر مدينة الأبيض عاصمة الولاية ، و فيها زرت الوزراء اسمع منهم نظرتهم للمحافظة من خلال مهام الموكلة لوزاراتهم . في وزراة التربية و التعليم التقيت وفداََ من إدارة تعليم محلية جبرة الشيخ جاء بشأن مرتبات المعلمين ، الفصل الأول ، التي لم تصرف منذ ٥ شهور خلت ! كان الخبر غريباً على شخص مثلي لم يعمل في حكومة السودان و لا يوماََ واحداََ من قبل . فسألتهم إذا كنتم لم تتلقوا مرتبات خمسة شهور فذلك يعني أنكم لا تحتاجونها؟ و إلا فكيف تعملون دون مرتبات لخمسة شهور؟ لا شك أن كلام المحافظ الجديد كان كلاماََ غريباً سمعه الوفد .
جهزت لي أمانة الحكومة سيارة و سائق و إعلامي ، و قالوا لي الإعلامي و السائق سيكونان معك حتى توفق أوضاعك ، و خلال شهرين ستأتيك عربة المحافظة الرسمية . و الأخوين صديق سائق السيارة و متوكل سالم الإعلامي في مكتب المحافظ لم يفارقان حتى غادرت المحافظة ، و كانا معاونين و معينين شكر الله صنيعهما .
في نهار جمعة دخلنا مدينة سودري في حين غفلة من أهلها الذين دخلوا الجوامع يصلون الجمعة ، فدخلنا المسجد العتيق و الإمام يخطب الجمعة . و بعد السلام مباشرة تقدمت للإمام قلت له في إسرار : أنا محافظكم الجديد أريد مخاطبة المصلين ، و السلام عليهم و تعريفهم بنفسي . فأعطاني الميكرفون ، فسميت الله تعالى وصليت و سلمت على محمد النبي الخاتم الصادق الأمين المبعوث رحمة للعالمين ، ثم سلمت على المصلين . ثم قلت : ( _اللهم أدخلني مدخل صدق و أخرجني مخرج و اجعل لي من لدنك سلطاناََ نصيراََ_) . و في حديثي تحاشيت أن يفهم الناس مَنْ محدثهم . استمع المصلون لكلامي بتركيز ، و قد رأوا رجلاً شديد بياض الثياب لا تبدو عليه آثار السفر و لا يعرفه منهم أحد و يحمل عصاة حكام و يحدثهم بما يعجبهم و لا يبين لهم من أمره شيئاً ، فقاطعني منهم ثلاث أو أربع أفراد في وقت واحد : _أنت منو؟ عرفنا بنفسك !_
قلت لهم لا شك سأعرفكم بنفسي ، و ستعرفونني . و لما انتهيت مما جهزت به نفسي من أفكار خلال الطريق الطويل من الأبيض إلى سودري قلت لهم : أنا أخوكم . . . المحافظ الجديد . فهاج الجامع و ماج بالتكبير و التهليل . و خرجنا من الجامع و المصلون يشيعون المحافظ سيراََ على الأقدام حتى البيت الذي بناه الخواجة المستعمر بعيداََ عن جماهير شعبنا في طرف المدينة الشرقي .
* * *
في اجتماع مشترك مع محلية سودري ، في مساء ذلك اليوم ، اتفقنا أن يقوم المدير التنفيذي للمحافظة بابلاغ المحليات بأن برنامج المحافظ سيكون جولة تعريفية لكل المحليات ، لكل محلية أسبوع كامل لزيارة كل قرية أو فريق أو مورد ماء حسب تقديرات أهل المحلية ، و سيبدأ البرنامج يوم غد من محلية سودري ثم حمرة الوز فجبرة الشيخ ثم حمرة الشيخ ثم أم بادر .
في محلية سودري كنا نتحرك صباحاََ ثم نعود ليلاََ للمبيت بالمدينة ، ثم نذهب في صبيحة اليوم التالي إلى منطقة أخرى نلتقي الناس ، ثم نكرر الأمر حتى انقضى الأسبوع الأول . زرنا مدينة سودري بأحيائها و مرافقها ، و حفير المدينة مورد الماء و دونكي أم مراحيك ، و حلالات دار الريح ، و حفير أبو قمبيل . ثم زرنا أم خروع و جوارها من القرى حتى كجم غرباََ . و زرنا منطقة حفرة و الفرقان التي حولها ، ثم زرنا أبا جالب و تنة و جوارهما . و زرنا في شمال شرق المحلية أم شرو و الفرجة و مقاهي الدويت و الجمامة و مشرع تَفَلَنق .
و في أمسية كل يوم أراجع رسائل الإعلامي متوكل سالم الخبرية عن نشاطنا في اليوم المنصرم ، فأصحح ما رأيته يحتاج تصحيحاََ أو إعادة صياغة ، ثم يرسل الأخ متوكل الأخبار عبر جهاز الرديوفون إلى الإذاعة و التلفزيون بالولاية ، و مصدره في الإذاعة القومية المتواصل معه . و منذ أسبوعنا الأول تصدرت محافظة سودري أخبار التلفاز الولائي ، و إذاعة شمال كردفان المسموعة في ولايات كردفان الثلاث ، فكل يوم يسمع الناس أسماء قرى جديدة و موارد مياه و أسماء مجموعات سكانية و عموديات ، و أسماء أشخاص جدد .
كان الأستاذ ضحوي القدال ناصر رئيس محلية سودري يرافق المحافظ منذ أول يوم حتى كملت زياراتنا التعريفية للمحافظة . في مدينة حمرة الوز أطلع الأخ ضحوي على برنامج زيارات المحلية فقال : و الله ، يا السيد المحافظ يبدو أنك إنسان غير عادي . فسألته : ما الأمر؟ قال : إن الأمير آدم حسن نمر – أبو قدم منذ حكم نميري لم يزره ضيف صباحاََ أبداََ ، أنت الوحيد الذي استطاع تغيير برنامج الأمير أبو قدم .
كانت أول ملاقاة لي للأمير آدم حسن نمر – أبو قدم أمير إمارة الهواوير داخل المحافظة يوم وصولي حمرة الوز أول مرة ، و بعد خطابي لجمهور المحلية قال لي أبو قدم – رحمه الله رحمة واسعة – و قد وصل المدينة أثناء حفل الاستقبال : السيد المحافظ ، أنا و الله منذ أصبحت ناظراََ لم يزرن ضيف إلا بات معي في دكتي بأبي عروق ، و أنت لم تعرف ذلك العرف و ناس المحلية لم يخبروك . قلت له : كلامك صحيح ، نبيت عندك مرة أخرى إن شاء الله . فقال لي : أبداََ ، السيد المحافظ غداََ ستبيت عندي ، لقد مررت على المحطات و الفرقان و غيرت البرنامج . فعلاً قام أبو قدم بعكس البرنامج المعلن فبدلاََ من أن نبدأ بأبي عروق قرية الأمير ستنتهي رحلتنا يوم غد بأبي عروق و نبيت فيها ! لقد مر الأمير أبو قدم على كل الناس و بلغهم بتغيير البرنامج ، و حدد لهم متى سيصلهم المحافظ !
في جلسة وجبة الفطور ، بعد المخاطبة الجماهيرية ، كان الأمير أبو قدم محدثنا فهو كبير القوم سناََ و مكانةََ ، و في حديثه قال : السيد المحافظ ، و الله كلامك كلام طيب كله في مخافة الله و التقوى ، لكن نحن العرب في ممشانا في الصحراء لا نلتفت إلى التقوى أبداََ إلا حين نصل لمرادنا . ثم سكت . و لما رأى أثر كلامه على وجهي ، و قد وجدت من ذلك كراهة ربما ظهرت على وجهي ، واصل كلامه : لكن و الله ، عيل الإسلام ماشي عندنا كويس خالص . قلت له : السيد الناظر ، هل من شواهد على تقدم الإسلام عند أهل الشاة و البعير؟ فرد رحمه الله : أَيَ ، يا السيد المحافظ ، _فضل الله ود أب كويع بقي بصلي ، دا ما تقدم للإسلام ! قلت له : السيد الناظر ، أنا ما بعرف ود أب كويع ، ما أمره و ما شأنه؟ قال أبو قدم : فضل ود اب كويع رجل من عرباننا ذو ثروة من الضأن ، و عاماََ أول جاءَه ناس ديوان الزكاة قالوا له دايرين زكاة الضأن . فسألهم : شنو الزكاة؟ فقالوا له : الزكاة هي حق الله في ضأنك . فقال لهم : ضأني منذ بدأت سعايته شاةََ و شاتين لم يكن معي شريك إلا فرطاقي هذا – و الفرطاق سوط من قماش يحدث صوتاََ يحرك به البهم . قال أبو قدم : و الله ، يا السيد المحافظ ، اليوم فضل الله ود اب كويع بقى بصلي الصلوات المفروضة . فرددت عليه : ما شاء الله ، إذن فعلاً الإسلام في تقدم ما دام فضل الله ود اب كويع أصبح مصلياََ يداوم على الفريضة ._
في زيارتنا لشمال محلية حمرة الوز زرنا الصافية ثم المحبس ، ثم وصلنا إلى أبي عروق بعد مغيب الشمس بأكثر من ساعة ، و وجدنا فيها عدداً مقدراََ من رجال الهواوير على الجمال في انتطارنا في منزلة الأمير . نحر لنا الأمير أكثر من بعير ، و قد لاحظت وسم أحد الجمال المنحورة مماثل لوسم أهالي فسألته عن الوسم ، فقال لي : نقرت النياق؟ فقلت : نعم ، هو مطابق لوسم أهلي أولاد المؤمن – الحوازمة . فقال لي : حرم ، أمهاته كلهن يحملن وسمه . و لم نصل عيلاي و قمبر و الهوبجي مواقع رعاة الهواوير في أقصى الشمال الغربي من ديار الهواوير شمال محلية حمرة الوز .
و عدنا من الشمال فزرنا المرخ و جوارها في الشمال حتى دونكي السدر ، و في الجنوب من المرخ زرنا عديد الفراعنة و أم دم و النهد . و في جنوب المحلية زرنا قرى أم درق عمودية أحمد سلامة ، و قرى في أم سرة و أبو حديد و مفنخ و التنضب . ثم زرنا شرق المحلية قرية كبش نور و جوارها و جبل الحرازة و بريرة .
* * *
في الأسبوع الثالث زرنا محلية جبرة الشيخ فتفقدنا المدينة و مرافقها و جوارها ، ثم انتقلنا إلى كجمر و ماجاورها قهاوي كورك – الرباط تسمية الانقاذ – المحطة المشتهرة على طريق جبرة الشيخ – سودري ، و الشواف و الفيلية و بنيوتي و حريز زغاوة و حريز الحماداب . و في شرق محلية جبرة الشيخ زرنا السدر و رهيد النوبا ، و بتنا عند الشيخ مصطفى الكباشي ، ثم زرنا أم نبقاََ مر و الشعطوط و الحجاب . و في الحجاب تعطلت سيارتنا فركبنا لوري قديم متهالك إلى أم اندرابة و فيها بتنا ، و وصلت عربتنا يجرها لوري .
أرسل لي الأخ عوض سليمان الشاعر ، رجل الأعمال و عضو المجلس الوطني – دفعتي في خور طقت ، سيارته ال VXR الفارهة . و في اليوم التالي زرنا أقصى شمال محلية جبرة الشيخ حتى طريق شريان الشمال ، و بدأناها بقرى البير البيضا و البير الحمرة و بير الجعليين ، ثم ختمناها بجبرة أم جَمال و جبرة ود سعيد و أبو طليح . و للتنافس بين مكونات مجتمع محلية جبرة الشيخ – و كلهم أنصار للانقاد – وجد أحد طرفي النزاع كراهة أن استغل المحافظ عربة زميله عوض سليمان الشاعر . و لاحقاََ جاءني وفد من إمارة الجبال البحرية برئاسة الأمير دوليب النعمة سوركتي ، رحمه الله رحمة واسعة ، يعرض علي أن تشتري إمارته عربة للمحافظ و هم يرجون موافقتي ، فشكرتهم و قلت لهم هذه مسؤولية الدولة لا الشعب .
* * *
و المسير إلى غرب المحافظة يستغرق عشر ساعات كاملة في سير متصل من جبرة الشيخ إلى حمرة الشيخ ، و مثل ذلك من جبرة الشيخ إلى أم بادر . كانت زيارة المنطقة الغربية قد بدأت من حمرة الشيخ ، و حمرة الشيخ محلية خالصة للكبابيش ، و في سوقها العامر وجود كبير لأهل كردفان الشمالية و الغربية ، و الحَمَر خاصة ، و غيرهم كثير من أبناء الوطن .
و في حمرة الشيخ تظهر آثار البداوة و سلوكيات أصحاب الإبل أكثر وضوحاََ مقارنةََ ببقية محليات المحافظة الأربع . فهم يظهرون التطير ، تشائماََ و تفاؤلاََ ، و في محاولتهم سبر غور الغريب يرقبون كلامه و تصرفاته و مشيته و سكناته و يكثرون الملاحظة و الوصف و لكل منها تقييم و معنى .
و لما وصلت حمرة الشيخ تذكرت الأخ أحمد عبد الله كرامة المحامي المشتهر في مونتريال – كندا ، دفعتي في خور طقت و المجاور لي في عنبر الداخلية ، الذي حاول أخذي مرات عديدة إلى حمرة الشيخ يقول لي : تشرب القارص ، و تشوف شيخ المر و تشوف كلاب شيخ المر ! و لكنه فشل . و لما عرض علي البرنامج الزيارة الرسمي ليوم الغد ، وافقت دون تعديل أو حذف فالأمر أمرهم . و قلت لهم : أرجو إضافة زيارة لقرية سواني الحواراب . قالوا لي : تريد زيارة مدخل جمرك العربات القادمة من الجماهيرية؟ قلت : لا ، بل أريد زيارة عمة لي هي والدة أخي أحمد عبد الله كرامة ، فوافقوا .
و بقدرة الله العزير الحكيم ، و بعد غياب حوالي ستة عشر عاماََ من الأهل ، وصل الأخ أحمد عبد الله كرامة ليلاََ بعد ساعات قليلة من وصولي إلى حمرة الشيخ في تلك الأمسية ! و لو تواعدنا لاختلفنا في الميعاد ، و لكن الله قدر .
في المخاطبة الجماهيرية قلت للناس إني ابن راعي مثلكم لا مال لي عند أبي آتيكم به ، فأنا لا أملك إلا عصاتي هذه – و أنا أرفع عصاتي عالياََ . و قلت لجمهور الناس : لو توافقنا و اتحدت إرادتنا سآتي بحقكم من فك الأسد .
و لما انتهت المخاطبة و تفرق الناس بدأ عربان بادية الصحراء يتحدثون عن كرامات المحافظ الجديد و أنه صاحب كشف و حضور ، و يستشهدون بحكاية طلب المحافظ الجديد زيارة مرأة بسيطة من عامة الشعب أم لزميله ، و في نفس الليلة يأتيه زميله ابنها من كندا ليستقبله ضمن المستقبلين في الحمرة . و شيوخ الكبابيش و قادتهم يقولون للعربان هذا المحافظ غير المحافظين السابقين هذا المحافظ لن يأكل من حقكم شيئاً .
و زرنا مرافق المحلية ، و دواوين الدولة الولائية – مكاتب المالية و إدارة الجمارك ، ثم زرنا أم شديرة و سواني الحواراب . ثم عدنا المدينة ثم زرنا أبا زعيمة في شرق المحلية و عديد راحة و عديد دار سعيد و أم زبد . ثم انتقلنا غرباََ لزيارة غرب المحلية حتى بلغنا أم سنطة رئاسة النواراب – آل علي التوم ، و أم بطيطخة ، و دونكي القريود في التماس مع الميدوب . و زرنا رعاة الكبابيش في أم قوزين مورد الماء الوفير التابع لشرق دار فور ، و زرنا دمر الكبابيش في أرض حازوا عليها شراءََ داخل محافظة أم كدادة .
كانت أم بادر محلية هادئة مستقرة و غالب أهلها من الكواهلة ، و هي آخر زياراتنا التعريفية . و تقع أم بادر إلى الجنوب من حمرة الشيخ ، و القرب منها . و غالب كواهلة محافظة سودري في أم بادر مع وجود آخر في محلية جبرة الشيخ . و في أم بادر وجود كبير للكبابيش ، و فيها تعايش عند الحدود مع مجموعات سكانية متعددة في ولاية غرب كردفان في أقصى جنوب شرق المحلية مع الحَمَر في محافظة النهود ، و مع كاجا السروج في أرمل عند الجنوب من أم بادر ، و في الجنوب الغربي جوار مع البرتي في أم قوزين و النايم و أبو عضام التابعة لمحافظة أم كدادة .
و رئاسة إمارة كواهلة شمال كردفان في مشروع جريح السرحة غرب أم بادر . و قرى و دمر الكواهلة في شرق أم بادر في الطليح و سواني الشخيب و أم خصوص و الصنقر . التقيت المغفور له الناظر الأسبق محمد فضل الله الهرديمي ، ناظر كواهلة أم بادر ، و قد صار شيخاََ هرماََ يتيمن الناس به يأتونه و هم على سفر يدعو الله لهم . حكى أن فكرة مشروع جريح السرحة التي نفذت في العهد المايوي
فكرة غير مرغوبة ، و كنت عندما زرت المشروع أول مرة و رأيت القطاطي كنت قد دعوت الله : يا ربي ، إن شاء الله تعليمة ما ديمة . و قد فسر لي الشيخ الهرديمي سبب تحريم سيدنا يعقوب لأكل الإبل في قول الله في الآية : (إلا ما حرم إسرائيل على نفسه) ، فقال أن سيدنا يعقوب – إسرائيل قد نذر نذراََ لله تعالى إن جاءَه بابنه يوسف ليتركن أفضل الأكل و أفضل الشراب ، فلما جاءَه الله تعالى بيوسف حرم يعقوب على نفسه لحم الإبل و لبنها .
* * *
بعد قضاء برنامج الخمس أسابيع في التعرف على المحافظة الواسعة الشاسعة مترامية الأطراف عدت إلى رئاسة الولاية ، فوجدت في الأبيض عجباََ ! كانت تقارير الشاب الإعلامي المثابر اليومية للإذاعة و التلفزيون قد أحدثت شيئاً عجيباََ و تركت أثراََ . كان أهل الولاية يتابعون أخبار سودري على غير العادة ، و أهل سودري متى ما سمعوا إذاعة شمال كردفان سمعوا ذكرهم . كان والي ولاية شمال كردفان أكثر الناس حنقاََ مما يسمع من أخبار سودري ، _و كل أزمته أن جد محافظ سودري يسمى الوالي ، و بذلك يذكر أهل الإعلام : قال المحافظ أحمد الوالي ، و زار الأخ الوالي محافظ سودري ، إلخ_ .
_و لما طفح الكيل عند والي الولاية دعا أهل الإعلام لاجتماع ، و في الاجتماع سألهم : هذه الولاية فيها كم والي؟ فأجابوه أو من أجابه منهم : ولاية شمال كردفان واليها واحد ، أنت الوالي ._ *فقال لهم : طيب لماذا أنتم عاملين للناس ربكة Confusion ، قام المحافظ الوالي ، و قعد الوالي المحافظ ، و قال أحمد الوالي محافظ سودري ! اسمعوا جيداََ محافظ سودري اسمه أحمد الشين ، و اسم الشين عند قومه اسم كويس خالص ، بالله ركزوا على الشين . و تاني ما اسمع حكاية الوالي المحافظ دي .*
عند سماعي للحكاية أول مرة طننت أنها نكتة أو دعاية سوداء ضد الوالي الهمام ، حتى رأيت زملائي في مجلس الوزراء يقول واحد منهم في حضور الوالي : الأخ الوالي . و عندما يقول الأخ الوالي : نعم . يقول : معذرة ، أنا أقصد الأخ أحمد الشين الوالي . كان دكتور آدم وزير الصحة – رحمه الله رحمة واسعة – يكثر من ذلك يضحك المجلس . و في مرة كنا نفر من مجلس الوزراء بحضور والي الولاية نجلس مع الضيف والي ولاية غرب بحر الغزال الأخ علي تميم فرتاك . فقال دكتور آدم بصوت مسموع : الأخ الوالي . فالتفت علي تميم ، و قال والي شمال كردفان : نعم . فقال دكتور آدم : معذرة ، قصدت الأخ المحافظ الوالي . و ضحك الحضور كلهم . فسألني الأخ علي تميم فرتاك ، و كنت بجواره : في شنو؟ قلت له : عندنا مشكلة بسيطة أنا اسمي الوالي ، و ذلك أمر يحدث لنا دوماََ Misunderstanding . فرد والي ولاية غرب بحر الغزال : يا أخي ، هذه مشكلة كبيرة خالص .

_و نواصل ، إن شاء الله ._

*أحمد الشين الوالي*
_أم درمان ، كرري – الثورة_
*الأحد ٦ أكتوبر ٢٠٢٤م .*

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى