الأعمدة

*من عمق المشهد* *د. ست البنات حسن أحمد* *الإقصاء الممنهج ومصادرة الإرادة* *مسرحية “بيت السودان” وطعنة الشرعية*

 

*من عمق المشهد*

*د. ست البنات حسن أحمد*

*الإقصاء الممنهج ومصادرة الإرادة*

*مسرحية “بيت السودان” وطعنة الشرعية*

 

لم تكن الوقائع الأخيرة التي شهدتها أروقة “بيت السودان” بالقاهرة مجرد عثرة تنظيمية عابرة أو ارتباك إداري في إدارة استحقاق انتخابي، بل جاءت مؤشراً خطيراً على مأسسة الإقصاء، ومصادرة فجة للإرادة الجمعية لملايين السودانيين الذين يعيشون ظرفاً استثنائياً بالغ الحرج في الشقيقة مصر. إن إيصاد الأبواب أمام أكثر من ثلاثين كياناً أهلياً ومؤسسياً فاعلاً—ممن حملوا عبء التأسيس والبناء في العام المنصرم—يمثل طعنة نافذة في خاصرة الشرعية، وانتكاسة صريحة لقيم العمل العام القائم على الشفافية والشراكة.

أي منطق معوج يجيز تحييد قوى حية وقواعد مجتمعية راسخة، نهضت بواجب الإسناد الإنساني والخدمي في أحلك ساعات الشتات والمحنة، لتجد نفسها في يوم الاستحقاق مقصية ومحاصرة خلف الأبواب المغلقة؟!

إن ما جرى لم يكن ممارسة ديمقراطية بأي معيار، بل كان “هندسة انتخابية” مكشوفة أنتجت مجلساً مفصّلاً على مقاس ولاءات ضيقة، استبدلت الشورى بالمحاصصة، وصوت الكفاءة بالتزكية الفوقية المصمتة. ولقد تجلت الخيبة في ملامح الشرفاء من أبناء الجالية وهم يشهدون كيف تحول الاستحقاق الوطني إلى مشهد درامي بائس، يشي برهاب متأصل من التداول الحر، وتوجس مرضي من صوت القواعد المستقلة.

هذا المسلك الفوقي قوبل بردة فعل شعبية واسعة تجاوزت حدود الغضب الآني؛ إذ عمت أوساط الروابط والرموز المجتمعية حالة من السخط العارم والاستنكار المشروع. ولم يكن تعليق الشارع بأن ما حدث هو تدشين لـ “ثلاث سنوات أخرى من الفشل” مجرد نوبة تشاؤم، بل هو تشخيص بنيوي دقيق لعلة متكررة؛ فالمجالس التي تولد كسيحة من رحم التعتيم والوصاية، تعجز بالضرورة عن حمل قضايا الجالية الحقيقية، أو الذود عن مصالحها، أو ابتكار حلول واقعية لأزماتها المعيشية والنظامية اليومية.

إن إدارة شؤون السودانيين في بلاد المهجر بعقلية “الشللية”، واستنساخ مجالس شكلية مسلوبة الإرادة، لن تفضي إلا إلى تعميق فجوة الثقة وتفتيت النسيج الاجتماعي. إن الجالية السودانية بمصر—بثقلها التاريخي، وامتدادها الإنساني، وقدراتها الفكرية العريضة—أرفع قامة وأعمق وعياً من أن تُختزل في مشهدية انتخابية هشة تفتقر للحد الأدنى من النزاهة والمصداقية.

إننا اليوم، ومن منطلق المسؤولية الوطنية والأخلاقية، ندعو إلى وقفة شجاعة لفرملة هذا الانحدار المؤسسي المتتالي. إن كسر هذه الحلقة المفرغة لن يتأتى إلا بوعي جمعي ينتفض على التزييف، وبناء عقد اجتماعي جديد يعيد الاعتبار للكيانات الأصيلة صاحبة الميدان، ليعود العمل العام كما ينبغي أن يكون: مساحة للتجرد وخدمة الناس، لا تكية للمصالح الخاصة واحتكار المنصات.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى