
نجاة الحاج تكتب..من ينتصر في حرب السودان حين يخسر الجميع؟!
من واقعنا
لم تعد حرب السودان صراع بين طرفين، و لا حتى مجرّد تنافس على سلطة أو نفوذ ، ما يحدث الآن أشبه بانهيار شامل، تتساقط فيه الدولة قطعةً قطعة، بينما يقف الجميع في دائرة الخسارة… دون استثناء.
وهنا يبرز السؤال القاسي: من ينتصر حين يخسر الجميع؟
الإجابة الصادمة: لا أحد.
الطرفان يعلنان التقدّم في بياناتهم، ويعدّان المعارك وكأنها نقاط في مباراة، لكن على الأرض، المدن تنهار، والبيوت تُهجر، والناس يهربون من حياةٍ لم يعودوا يعرفونها.
أي نصر هذا الذي يُقاس بعدد النازحين؟ وأي غلبة تلك التي تُبنى فوق رماد وطن؟!.
المشكلة في السودان ليست فقط في من يحمل السلاح، بل في عقلية ترى السلطة غنيمة، لا مسؤولية. منذ سنوات، والسوداني يُطلب منه أن يصبر، أن يتحمل، أن يضحّي… لكن السؤال الذي لم يُطرح بوضوح: إلى متى؟ ولأجل من؟
حين تشتعل الحروب، تظهر الحقيقة العارية: إن السياسيين يمكنهم المغادرة، والقادة يمكنهم الاحتماء، لكن المواطن البسيط هو من يدفع الثمن كاملاً هو الذي يخسر بيته، وأمانه، ومستقبل أطفاله. وفي النهاية، يُطلب منه أن يصفق “للنصر”.
أي نصر هذا؟
الواقع يقول إن السودان اليوم لا يخسر فقط معركة، بل يخسر نفسه. النسيج الاجتماعي يتآكل، الثقة تنهار، والذاكرة الجماعية تمتلئ بالجراح وهذه خسارة لا تُعوّض ببيان عسكري ولا بخطاب سياسي.
والأخطر من ذلك، أن استمرار هذا الوضع يخلق جيلاً لا يؤمن بالدولة أصلاً، ولا يرى في السلطة إلا وجهاً آخر للفوضى حينها، لا يعود السؤال: من يحكم؟ بل يصبح: هل هناك ما يُحكم أصلاً؟
في خضم هذا المشهد، يظن البعض أن الحسم العسكري هو الطريق الوحيد. لكن التاريخ لا يرحم وهذا الطريق محفوف بالمخاطر ليس على المواطنين فقط بل حتى على الدولة.
كل الحروب التي بدأت بهذا المنطق انتهت إما بانهيار كامل، أو بتسوية كان يمكن الوصول إليها قبل دفع هذا الثمن الباهظ.
السودان لا يحتاج منتصراً… بل يحتاج من يوقف هذا الدمار المهلك.
النصر الحقيقي ليس في هزيمة طرف، بل في إنقاذ وطن، و في عودة الناس إلى بيوتهم، في استعادة الدولة لهيبتها، وفي أن يشعر المواطن السوداني أنه يعيش في بلد آمن ومستقر ، لا في ساحة معركة.
أما إذا استمر هذا النزيف، فسيكتشف الجميع – ولكن بعد فوات الأوان – أن السؤال لم يكن “من ينتصر؟”، بل “ماذا تبقى لننتصر عليه؟”
وعندها… لن يكون هناك معنى للنصر أصلاً.
مطلوب من كل الفاعلين السودانيين تجاوز التشفي والمماحكة السياسية إلى التفكير العقلاني الذي يقودنا إلى الخروج من هذه الأزمة الخطيرة التي تسير فيها بلادنا نحو الانهيار ،وهذه الخطوة يجب أن يبادر بها العقلاء والحكماء وأن نقدم تنازلات لبعضنا البعض تمكننا من المحافظة على وحدة واستقرار بلادنا وصناعة سلام حقيقي بعيداً عن تأثيرات الخارج، فالتدخلات الخارجية اذا لم تجد مداخل بيننا تتسرب منها لن تستطيع تنفيذ أجندتها .
اذن الحل بأيدينا نحن السودانيين بادارة حوار حقيقي وتحقيق سلام شامل وعادل ومحاسبة من أجرم وتطبيق برنامج الحقيقة والمصالحة ،وفتح صفحة جديدة تنظر إلى المستقبل لا إلى الغبائن التاريخية وإلا فلن نجد وطناً نتصارع حول حكمه.