
نداء من مواطني الجريف غرب: التعليم لا ينبغي أن يدرس تحت أعمدة الشوارع
بقلم: عمار العركي
▪️حين كتبنا من قبل أن “البلد ما بتعمر إلا بأهلها”، كنا نستحضر تجربة حية تتجسد في الجريف غرب، تلك المدينة التي لم تنتظر أن تعود إليها الحياة من الخارج، بل بادرت إلى صناعتها بجهود أبنائها تحت أصعب ظروف الحرب. فهنا، على ضفاف النيل الأزرق، لم يكن الصمود مجرد شعار، بل ممارسة يومية جسدها المواطنون وهم يعيدون تشغيل الماء، ويفتحون المدارس، ويعيدون بث الروح في الخرطوم وهي تحت الركام.
▪️ومن بين كل أحياء الجريف، برزت الحارة الأولى (أ) كواحدة من أكثر المناطق مبادرة وريادة، ليس فقط على مستوى الجريف، بل على مستوى ولاية الخرطوم كلها. ففي ذروة الحرب، حين كانت المدارس تغلق في كثير من المناطق، ظل أبناء الحي يقاومون فكرة توقف التعليم، وتحولت مدرسة الحارة الأولى ومساجد المنطقة إلى فضاءات لاستمرار الدراسة رغم أصوات الرصاص ودوي القذائف.
▪️ولم يتوقف الأمر عند حدود الصمود التعليمي فحسب، بل إن مدينة الجريف غرب كانت من أوائل مدن ولاية الخرطوم التي خرجت لتوها من أتون الحرب لتقيم فعالية فكرية حول مستقبل التعليم، حين احتضنت ندوة “مستقبل التعليم العام في السودان لما بعد الحرب”.
وقد جاءت هذه الندوة بين ركام الحرب وأدخنة البارود، في رسالة عميقة الدلالة: أن المجتمع الذي يدرك قيمة التعليم لا ينتظر استقرار الأوضاع حتى يفكر في المستقبل، بل يبدأ التخطيط له حتى في أصعب اللحظات.
▪️لقد عكست تلك الندوة وعياً مبكراً لدى أهالي الجريف بأن معركة السودان ليست فقط معركة سلاح، بل معركة وعي وبناء إنسان، وأن حماية التعليم في زمن الحرب هي في حقيقتها استثمار مباشر في مستقبل البلاد.
▪️ولعل تتويج هذا المسار كان حين استضافت مدرسة الحارة الأولى بالجريف غرب امتحانات الشهادة السودانية في مايو ٢٠٢٥ بعد تحرير الخرطوم، في رسالة وطنية تؤكد أن التعليم في السودان يمكن أن يستمر حتى في أحلك الظروف.
▪️واليوم، ومع اقتراب امتحانات الشهادة السودانية مرة أخرى، يواصل طلاب المنطقة مسيرتهم بإصرار لافت، حتى إن بعضهم يضطر للدراسة ليلاً تحت أعمدة الشوارع المضاءة بالطاقة الشمسية التي وفرها فاعلو الخير ومواطنو الحي، في ظل استمرار انقطاع الكهرباء بسبب غياب المحولات عن المنطقة.
▪️هذا المشهد، رغم ما يحمله من عزيمة وإصرار، يطرح سؤالاً مشروعاً:
إذا كانت الجريف غرب قد نجحت في حماية التعليم تحت ركام الحرب، فهل يعجز زمن التعافي عن توفير أبسط مقوماته؟
▪️إن طلاب الشهادة السودانية الذين يدرسون اليوم تحت أعمدة الشوارع لا يقدمون فقط درساً في الصبر، بل يقدمون أيضاً شهادة حية على أن المجتمع السوداني لا يزال متمسكاً بأهم سلاح لبناء المستقبل: التعليم.
▪️ومن هنا، فإن مواطني الجريف غرب يوجهون نداءً صادقاً إلى الحكومة الاتحادية وولاية الخرطوم والجهات المعنية بقطاعي الكهرباء والتعليم، من أجل التدخل العاجل لتوفير المحولات وإعادة التيار الكهربائي للحارة الأولى (أ)، دعماً للطلاب وتهيئة للبيئة التعليمية مع اقتراب الامتحانات.
*خلاصة القول ومنتهاه:*
▪️لقد قدمت الجريف غرب درساً وطنياً في الصمود والبناء من تحت الركام، وكانت الحارة الأولى في طليعة هذا النموذج. ومن حق هذا المجتمع الذي حمى التعليم في زمن الحرب، أن يجد الدعم اللازم في زمن التعافي.
▪️فالخرطوم التي بدأت تستعيد عافيتها، لن تبنى فقط بالإسفلت والمباني، بل بالعقول التي تدرس اليوم تحت ضوء الشوارع، أملاً في أن تشرق غداً بنور العلم.
مواطني الجريف غرب
عنهم / عمار العركي