الأعمدة

نظرة على المواقف الدولية الجديدة تجاه القضية السودانية

نظرة على المواقف الدولية الجديدة تجاه القضية السودانية

سعد محمد عبدالله

شهدت القضية السودانية تحولات مهمة في طبيعة المواقف الدولية والإقليمية تجاه الحرب الدائرة في البلاد، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا للمخاطر التي تهدد السودان والمنطقة بأسرها، وقد برز ذلك بوضوح في تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عقب مباحثاته الأخيرة مع رئيس مفوضية الإتحاد الإفريقي محمود علي يوسف، حيث أشار بدقة إلى وجود تمويل خارجي واضح للحرب والإرهاب والتعديات التي تستهدف السودان وشعبه وثرواته الإستراتيجية، وتمثل هذه التصريحات تحولًا سياسيًا لافتًا للغاية، إذ إنها تعكس إعترافًا دوليًا بخطورة التدخلات الخارجية في النزاع السوداني وتأثيرها المباشر على الأمن الإقليمي والدولي؛ كما أن الإقرار بأن ما يجري في السودان يشكل تهديدًا بالغًا للسلم والإستقرار يفتح الباب واسعًا أمام مواقف أكثر حزمًا من المجتمع الدولي تجاه الجهات المتورطة في تأجيج هذا الصراع، وفي السياق ذاته؛ فإن الإهتمام المتزايد بالأوضاع الإنسانية والحقوقية في السودان يكشف تنامي القناعة الدولية بأن إستمرار الحرب لن يهدد السودان وحده، بل سيمتد أثره إلى منطقتي القرن الإفريقي والساحل الإفريقي بأكملها، خاصة في ظل إنتشار ظواهر الإرهاب والهجرة غير الشرعية وتجارة المخدرات والجريمة المنظمة والصراعات العابرة للحدود، ولذلك أصبحت القضية السودانية اليوم جزءًا من معادلات الأمن الإقليمي والدولي بصورة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

 

عطفًا على ما سبق ذكره، فقد مثّل تقرير لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي حول مسألة إدانة الهجمات على المدنيين والإقرار بوقوع إنتهاكات جسيمة بحق المدنيين خطوة مهمة في إتجاه إعادة تقييم الموقف الأميركي حيال الحرب في السودان، وقد رحبت وزارة الخارجية السودانية بما ورد في التقرير من تأكيد على ضرورة الحفاظ على سيادة السودان ووحدة أراضيه، إضافة إلى التشديد على وقف عمليات تجنيد المرتزقة ومنع تدفق السلاح والتمويل إلى مليشيا الدعم السريع المتمردة، وتكتسب هذه المواقف أهميتها من كونها توضح بداية تحول داخل المؤسسات السياسية الأميركية نحو إيجاد مقاربة منطقية تجاه الأزمة السودانية وتعقيداتها الأمنية والسياسية؛ فالدعوات المتعلقة بمحاسبة مرتكبي الإنتهاكات وتصنيف الجهات المتورطة في أعمال العنف والإرهاب تمثل مؤشرًا على أن المجتمع الدولي بدأ ينظر فعليًا إلى الحرب من زاوية المسؤولية القانونية والأخلاقية، وليس فقط من زاوية التوازنات السياسية التقليدية والتنافس على النفوذ ومواقع الموارد؛ فما يمكن أن يتحقق في ظل وجود دولة سودانية مستقرة أكبر بكثير مما يمكن تحقيقه في ظل الإضطرابات والصراعات الممتدة، ويبدو أن الضغوط الإنسانية والإعلامية، إضافة إلى حجم الكارثة التي تعرض لها المدنيون السودانيون، ساهمت في دفع العديد من القوى الدولية إلى مراجعة مواقفها السابقة؛ كذلك فإن تصاعد المخاوف من تحول السودان إلى بؤرة تهدد أمن المنطقة دفع القوى الكبرى إلى التعامل بجدية أكبر مع الملف السوداني، خاصة مع إرتباط السودان بموقع جيوسياسي بالغ الأهمية يمتد تأثيره من البحر الأحمر إلى عمق القارة الإفريقية.

 

على المستوى الداخلي، يمكن الوقوف عند الجهود القانونية والقضائية التي تبذلها مؤسسات الدولة السودانية باعتبارها عنصرًا مهمًا في تعزيز مسارات العدالة ومحاسبة المتورطين في الجرائم والإنتهاكات المرتبطة بالحرب؛ فقد وجّهت النائب العام، إنتصار أحمد عبد العال، باستكمال التحريات المتعلقة بالجرائم المرتكبة بحق المدنيين في المناطق المتأثرة بالنزاع، مؤكدة أهمية الإسراع في تنفيذ خطط اللجنة الوطنية بغية التحقيق في جرائم وإنتهاكات القانون الوطني والقانون الدولي الإنساني، وتعكس هذه الخطوات رغبة الدولة السودانية في إظهار إلتزامها بالمسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه الضحايا، إلى جانب سعيها لإثبات قدرتها على إدارة الملف العدلي وفق الأطر القانونية المعترف بها دوليًا؛ غير أن الساحة السياسية السودانية ما تزال تشهد حالة من الجدل والإنقسام بشأن بعض المبادرات والتقارير الحقوقية، ومن بينها إعلان بانجول المشترك الصادر عن بعثة تقصّي الحقائق المشتركة التابعة للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بشأن حقوق الإنسان في السودان؛ فقد أثيرت تساؤلات سياسية وإعلامية كثيرة حول شفافية مصادر المعلومات والمعايير التي إعتمدت عليها لجان تقصي الحقائق في تقصيها وتوصيفها للأحداث الجارية وتحديد المسؤوليات، خاصة في ظل تعقيدات المشهد السوداني وتداخل الأبعاد السياسية والعسكرية والإنسانية، وهذا الجدل الواسع يوضح حجم التباين بين القوى السياسية السودانية في قراءة الأزمة القائمة وتحديد آليات التعامل معها، كما يكشف عن أهمية بناء مقاربة متوازنة تراعي حقوق الضحايا وتحفظ، في الوقت نفسه، سيادة الدولة ومؤسساتها الوطنية.

 

مع هذه التطورات، يبدو أن السودان بدأ، رويدًا رويدًا، يستعيد موقعه في دائرة الإهتمام الدولي وفق رؤية مختلفة عمّا كان سائدًا خلال الفترات الماضية؛ فقد أدركت القوى الإقليمية والدولية أن إستقرار السودان يمثل عنصرًا أساسيًا في مسار إستقرار منطقة القرن الإفريقي والساحل والجوار المباشر، خاصة في ظل تصاعد النزاعات المسلحة والتنافس الدولي على الموارد الطبيعية والممرات الإستراتيجية، ومن هنا أصبحت النظرة إلى السودان أكثر إرتباطًا بأبعاده الجيوسياسية وقدرته على لعب دور محوري في معادلات الأمن والتنمية الإقليمية؛ كما أن نجاح الدولة السودانية في تقديم خطاب سياسي ودبلوماسي أكثر تماسكًا بشأن مستقبل البلاد ساهم في تغيير جزء من الصورة الذهنية لدى المجتمع الدولي، خصوصًا فيما يتعلق بأهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية المدنية والعسكرية والقضائية؛ وفي المقابل، تزايدت القناعة الدولية بصعوبة بناء دولة مستقرة عبر دعم المليشيات المسلحة أو تشجيع الفوضى والصراعات الداخلية، لأن ذلك يهدد وحدة الدول ويقوض فرص التنمية والسلام، ولذلك فإن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولات أكبر في طبيعة نسج العلاقات السودانية مع المجتمعين الإقليمي والدولي، خاصة إذا تمكن السودان من تعزيز مسارات الحوار الوطني وتحقيق الإستقرار الأمني والسياسي، ويبدو أن العالم اليوم بدأ بالفعل يعيد ترتيب حساباته تجاه السودان باعتباره دولة محورية لا يمكن تجاوز دورها في عملية صياغة مستقبل المنطقة وإستقرارها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى