
نقوش متنوعة
نقوش متنوعة
التربية قبل التعليم
د. كوثر باباي
ليست الهدف الأساسي من العملية التعليمية أن نُخرّج طالباً يجيد المهارات التعليمية فقط ، بينما لا يعرف كيف يتصرف حين لا يراقبه أحد.
فالتعليم يمنح الإنسان المعرفة، لكن التربية تمنحه البوصلة التي ترشده إلى كيفية إستخدام هذه المعرفة. وقد يحمل الإنسان أعلى الشهادات، لكنه يفتقر إلى إحترام الآخرين، أو الأمانة، أو المسؤولية، أو القدرة على الإعتراف بالخطأ. وهنا تتحول الشهادة إلى ورقة معلقة على الحائط، لا إلى قيمة حقيقية تُسهم في بناء الإنسان والمجتمع.
نحن لا نحتاج إلى أجيال تحفظ أكثر فحسب، بل إلى أجيال تفهم أكثر، وتحترم أكثر، وتتحمل المسؤولية أكثر.
والتربية لا تبدأ عند باب المدرسة، ولا مع أول كتاب أو أول درس؛ بل تبدأ قبل ذلك بكثير. تبدأ من البيت، من القدوة، من طريقة حديثنا، ومن سلوكنا اليومي. فالطفل الذي يرى الصدق ممارسة، والإحترام أسلوب حياة، والمسؤولية سلوكًا، يتعلمها قبل أن يقرأ تعريفاتها في كتاب.
التعليم يصنع متعلماً، أما التربية فتصنع إنساناً. وحين يجتمع الاثنان، يصبح العلم قوةً للبناء، لا مجرد شهادة تبحث عن وظيفة أو وجاهة إجتماعية.
وقد ينسى الإنسان ما حفظه من دروس، وتتغير المناهج، وتتبدل الشهادات والمسميات، لكن ما تغرسه التربية في داخله يظل رفيقاً له في كل طريق حياته.
لذلك، قبل أن نسأل: ماذا سيتعلم أبناؤنا؟ علينا أن نسأل سؤالًا أعمق وأخطر: أيُّ إنسان نريد أن نصنع؟
فالأمم لا تنهض بكثرة المتعلمين وحدها، وإنما تنهض حين يتحول العلم في أيديهم إلى ضمير، وسلوك، ومسؤولية، وإنسانية. فالمستقبل لا تصنعه الشهادات وحدها، بل تصنعه شخصيات تعرف قيمة ما تعلمت، وتملك من الأخلاق ما يجعل علمها نافعاً للناس.
وحين نُعلّم أبناءنا كيف يقرأون قبل أن نعلّمهم كيف يكونون، فقد ننجح في صناعة عقول تعرف الكثير، ونفشل في صناعة إنسان يستحق أن نأتمنه على المستقبل.
فالمشكلة ليست أن نملك جيلًا متعلماً، بل أن نملك جيلًا يحمل العلم دون أن يحمل معه ضميراً.
لأن أخطر إنسان ليس ذلك الذي يجهل الحقيقة، بل ذلك الذي يعرفها ويختار أن يخونها. وليس أخطر ما يمكن أن تفعله بنا مدارسنا أن تُخرج جاهلًا، بل أن تُخرج متعلماً يستطيع أن يستخدم معرفته بلا أخلاق.
وحينها لا يكون السؤال: ماذا علّمناه؟
بل: ماذا صنعنا بالإنسان الذي علّمناه؟
فقد نبني مدارس عظيمة، ونملأها بالكتب والشهادات، ثم نكتشف لاحقاً أننا كنا نُحسن صناعة المتعلمين، بينما أهملنا صناعة الإنسان.
وذلك هو الفشل الذي لا تُعلّقه شهادة على جدار، ولا تستطيع أمة أن تخفيه طويلًا.