نقوش متنوعة

نقوش متنوّعة

نقوش متنوّعة
حين يصبح الغلاء عرضًا لا مرضًا
د. كوثر باباى
الإقتصاد السوداني لا يحتاج إلى مزيد من المسكنات
ولم يعد إرتفاع الأسعار في السودان خبراً جديداً يحتاج إلى مقدمة طويلة. المواطن يذهب إلى السوق فيجد أن ما كان يشتريه بالأمس بمبلغ معين أصبح اليوم يحتاج إلى أضعافه.
لكن السؤال الإقتصادي الأكثر أهمية: لماذا ارتفعت الأسعار؟ بل: لماذا أصبح الإقتصاد السوداني عاجزًا عن إنتاج ما يحتاجه الناس بسعر يستطيعون تحمله؟
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالغلاء في كثير من الأحيان ليس مرضًا قائمًا بذاته، وإنما هو أحد أعراض إختلالات أعمق في الإقتصاد عندما يضعف الإنتاج المحلي، وتتراجع  السلع عن التصدير، وتزداد تكلفة النقل والطاقة ومدخلات الإنتاج، ويصبح الحصول على النقد الأجنبي أكثر صعوبة، فإن الأسعار ترتفع بصورة شبه طبيعية.
المشكلة إذن ليست أن التاجر يرفع السعر فقط، ولا أن المواطن يستهلك أكثر مما ينبغي. القضية أكبر من ذلك بكثير: إنها أزمة في قدرة الإقتصاد على إنتاج القيمة.
السودان يمتلك موارداً زراعية وحيوانية ومعدنية ضخمة، ومع ذلك ظل الإقتصاد لفترات طويلة يعتمد على بيع المواد الخام أكثر من إعتماد على تحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة. ننتج ثم نبيع الخام ثم نعود إلى السوق لشراء المنتج النهائي بسعر أعلى وهذه واحدة من المفارقات المؤلمة في الإقتصاد السوداني.
نزرع المحاصيل، لكن سلاسل القيمة الزراعية ضعيفة. نمتلك ثروة حيوانية ضخمة، لكن التصنيع المرتبط بها لا يزال دون الإمكانات. ونمتلك الذهب، لكن السؤال الإقتصادي لا ينبغي أن يتوقف عند كمية الذهب المستخرج، وإنما عند مقدار ما يضيفه هذا المورد إلى الإنتاج والاستثمار وفرص العمل والخزينة العامة.
الثروة وحدها لا تصنع اقتصاداً قوياً؛ طريقة إدارة الثروة هي التي تفعل.
ومن هنا، فإن معالجة الأزمة الاقتصادية لا يمكن أن تكون فقط عبر محاولة السيطرة على الأسعار بقرارات إدارية. فالقرار الذي يحدد سعر سلعة دون معالجة تكلفة إنتاجها أو نقلها أو تمويلها قد ينجح مؤقتًا، لكنه لا يستطيع أن يصنع وفرة من العدم.
الاقتصاد لا يستجيب للأوامر بقدر ما يستجيب للحوافز.
إذا كان المنتج يخسر، فسوف يقل إنتاجه. وإذا كانت تكلفة التمويل مرتفعة، فسوف يتردد المستثمر. وإذا كانت الطرق والطاقة والخدمات اللوجستية مكلفة، فسوف تنتقل تلك التكلفة في النهاية إلى المستهلك.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد الغلاء، وإنما ضد البيئة التي تنتج الغلاء.
السودان يحتاج إلى الانتقال من اقتصاد رد الفعل إلى اقتصاد التخطيط، من إنتظار الأزمة ثم البحث عن حل، إلى بناء قطاعات إنتاجية تستطيع امتصاص الصدمات وهذا يعني أن الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية والتعدين يجب التركيز عليها ولكن بقيمهما الإضافية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى