الأعمدة

*همس الحروف ..*  *إغلاق أبواب الرزق أمام الشباب يفتح أبواب الجريمة ..* *د. الباقر عبد القيوم علي*

*همس الحروف ..*

*إغلاق أبواب الرزق أمام الشباب يفتح أبواب الجريمة ..*

*د. الباقر عبد القيوم علي*

سؤال أطرحه على الجميع ، ويجب أن نجيب عليه بكل شفافية ومسؤولية ، ماذا يفعل أي شاب عندما يطرق باب الوظيفة فلا يجد من يوظفه ؟ ، وماذا يفعل إذا حاول أن يعيش بكرامة ، يبيع ويشتري في تجارة بسيطة على نواصي الأسواق ، فتأتي السلطات المحلية وتصادر بضاعته ، أو تفرض عليه رسوماً خرافية قد تفوق قيمة ما يتاجر فيه ، بحجة تنظيم السوق ؟ ، وحتى إذا وقف عند إشارات المرور يستجدي الناس متسولاً بعبارة (كرامة لله) ، فقد يأتيه الرد قبل أن يكمل جملته بأن (الله كريم) ، ماذا سيفعل أمثال هؤلاء الشباب ، وخلف معظمهم قصص مأساوية وأسر محتاجة تنتظرهم في آخر النهار ؟ .

 

جيل كامل يبحث عن مكانه في وطنه ، وأيضاً من حق السلطات المحلية تنظيم الأسواق والحفاظ على المظهر العام ، ومنع التشوهات ، والتجاوزات ، بما في ذلك تنظيم ظاهرة الفريشة ، ولكن التنظيم يجب أن يكون بفهم وإدراك لأصل المشكلة الإجتماعية قبل الإقتصادية ، والنواحي الجمالية للاسواق ، ودعوني هنا أستخدم عبارة (التنظيم الجائر) ، يجب ألا ينتهي بإزالة مصادر رزق هؤلاء الشباب دون النظر إلى ما بعد ذلك ، ماذا سيفعلون؟ وإلى أين سيذهبون بعد أن تُغلق أمامهم أبواب العمل المشروع ؟ .

 

إذا فقد الشاب مصدر رزقه ، فإلى أين سيذهب ؟ ، ومن أين سيعيش ؟ ، وإذا أغلقت أمامه أبواب العمل الشريف ، فمن الطبيعي أن يبحث عن وسيلة أخرى للبقاء ، وهنا تكمن مسؤولية الدولة والسلطات المحلية في التفكير في كيفية نقل هؤلاء الشباب من ممارسة الإقتصاد العشوائي إلى نشاط اقتصادي منظم ، بدلاً من الاكتفاء بالمصادرة ، والغرامات ، والإزالة .

 

يمكن للمحليات وعلى سبيل المثال ، تخصيص أماكن داخل الأسواق تمنع التكدس ، وفي نفس الوقت تستوعب الفريشة برسوم رمزية ، وتمنحهم تراخيص مبسطة ، مع إنشاء ملف تعريفي (أمني) يساعد على معرفة هوياتهم وتنظيم نشاطهم ، وبهذا يمكن تحويلهم من مشكلة يُنظر إليها بإعتبارها تشويه للأسواق إلى مورد إقتصادي حقيقي ، فالشاب الذي يعمل ويبيع ويشتري ويدفع رسوم معقولة للمحلية ، يساهم في حركة السوق ويدعم في نفس الوقت موارد البلد .

 

والأمر يحتاج إلى دراسة حقيقية لأوضاع هؤلاء الشباب ، أعدادهم ، ومهاراتهم ، وإحتياجاتهم ، وأنواع الأعمال التي يستطيعون القيام بها ، والفرص المتاحة أمامهم ، وهنا يأتي دور اتحاد شباب السودان ، الذي يفترض أن يقترب من هذه الشريحة ويجري مشاورات واسعة مع أصحاب الشأن والجهات المختصة ، للوصول إلى حلول مرضية تحفظ حق الشباب في العيش الكريم ، وتحفظ في الوقت نفسه حق المحليات في التنظيم .

 

هؤلاء الشباب ترس من تروس السودان ، وطاقة جبارة يمكن أن تكون جزء مهم من التنمية إذا وجدت الطريق الصحيح ، والمطلوب هنا ليس ترك الأسواق بلا تنظيم ، ولا التعامل مع الشباب بإعتبارهم مشكلة ، ولكن لا بد من إيجاد تنظيم يحفظ النظام ويحفظ في نفس الوقت حق الإنسان في العمل والحياة .

 

وقبل أن تصادر المحليات بضاعة أي شاب من الفريشة ، علينا أن نسأل أنفسنا ، إلى أين سيذهب بعد أن نفقده مصدر رزقه الحلال؟ ، وقبل أن نطالبه بالإزالة ، علينا أن نسأل هل تركنا أمامه أي باب مفتوح للعمل الشريف ؟ ، فالشاب الذي نراه من الفريشة يجب ألا ننظر إليه بإعتبارة مظهر عشوائي في السوق ، لأن هنالك ضرورة قصوى أجبرته أن يبحث عن وسيلة للبقاء وإعالة أسرته وتوفير السكن لها والمأكل والعلاج .

 

وإذا أغلقت في وجه هؤلاء الشباب أبواب العمل الشريف ، فلا ينبغي أن نستغرب عندما تستقطبهم أبواب الجريمة ، فسوق الجريمة دائماً يستوعب العاطلين والمهمشين … فتجار المخدرات وغيرهم يبحثون عن أمثال هؤلاء الذين فقدوا مصادر رزقهم ويشعر بعضهم بالغبن تجاه المجتمع بعد إزالة مصادر عيشهم ، ومصادرة بضائعهم التي قد يكونون إشتروها بالآجل .

 

فعندما تزيل المحليات مظاهر الفريشة من الأسواق دون توفير بدائل ، فإنها قد تكون عالجت مشكلة تنظيمية أو جمالية ، ولكنها في المقابل قد تكون أغلقت باب من أبواب الرزق أمام شباب لا يملكون أي بديل ، ولذلك فإن نجاح التنظيم لا يعني عدد البسطات التي تمت أزالتها ، فالتنظيم العملي هو القدرة على تنظيم السوق دون أن ندفع بأي شاب يبحث عن لقمة عيش حلال إلى الطريق الحرام الذي نحاول جميعنا محاربته

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى