
*همس الحروف* *ضاقت القاعة بالرأي الآخر في ندوة حمدوك بواشنطن* *د. الباقر عبد القيوم علي*
*همس الحروف*
*ضاقت القاعة بالرأي الآخر في ندوة حمدوك بواشنطن*
*د. الباقر عبد القيوم علي*
*الندوة التي جمعت الدكتور عبد الله حمدوك ومجموعة من القوى المدنية في واشنطن كشفت في نظر الكثير من المتابعين ، عن تقاطعات كثيرة وكبيرة بين الشعارات التي ترفعها هذه المجموعة ، وبين الممارسة التي شهدها اللقاء .*
*الحديث عن الحرية والسلام والعدالة والديمقراطية يبدو جميلاً كشعار ، ولكن عند الإختبار الحقيقي ينكشف الستار لهذه القيم ، فجلوس المتفقون في قاعة واحدة ، ويمنع أن يدخل بينهم من يختلف معهم ، ليطرح أسئلة لا يرغبون في سماعها فهذه هي ديمقراطية قحت فقط .*
*وبحسب ما ظهر من ترتيبات اللقاء وما أُثير حوله ، لم يكن الحضور مفتوحاً على نحو عام ، لقد جرى التسجيل المسبق وفرز الحضور فردا فرداً ، مع عدم الإعلان عن مكان الإجتماع بصورة مفتوحة ، ولكننا نرفع عنهم الحرج ببعض الأعذار ، فقد تكون هناك أسباب تنظيمية لذلك ، وقد تكون سعة المكان محدودة ، ولكن النتيجة التي تركها هذا الأسلوب لدى الكثيرين من الناس ، جعل هذا اللقاء بدا أقرب إلى إجتماع إنتقائي منه إلى حوار مفتوح مع السودانيين في واشنطن .*
*والأكثر دلالة على ما ذهبنا إليه كان يتمثل في ما حدث عندما حاول أحد الشباب طرح رأي مخالف ، فبدلاً من أن تكون الأسئلة الصعبة جزء طبيعي من أي فعالية سياسية ترفع شعار الديمقراطية ، ولكن تحولت لحظة الإختلاف إلى أزمة داخل القاعة ، وتحدثت روايات متداولة عن مطالبات بإخراجه وإستدعاء الأمن لهذا الشاب ، وهم ناسين او متناسين طبيعية الدولة التي كان على أرضها هذا اللقاء .*
*وهنا لا بد لنا أن نتوقف قليلاً عند هذه الديمقراطية التي لا تتسع إلا للمؤيدين ، فماذا يتبقى منها عندما يصل الأمر إلى الرأي الآخر ؟ .*
*ليس المطلوب من أي تيار سياسي أن يتفق مع خصومه ، ولا أن يقبل كل ما يقال له ، ولكن المطلوب فقط أن يمنح المختلف معه حقه في الكلام ، وأن يرد على حجته بالحجة ، وليس بالإقصاء .*
*كما أن اللافت في اللقاء ، وفق ما ظهر في المقاطع المتداولة ، كان هنالك ترديد هتافات مثل : (حرية ، سلام ، وعدالة ، حمدوك خيار الشعب) ، وهنا أيضاً يحق للسودانيين أن يسألوا : أي شعب تقصدون ؟ ، وهل يمكن اختزال ملايين السودانيين في جمهور محدود داخل قاعة صغيرة جداً في واشنطن ؟ .*
*السودان اليوم ليس ساحة للشعارات يا دكتور حمدوك ، هناك شعب يعيش وسط حرب قاسية ، ومدن دُمرت ، ومؤسسات تعطلت ، وأسر فقدت أبناءها وممتلكاتها ، وملايين يبحثون عن الأمان ، وفي خضم هذا الواقع ينتظر السودانيون من كل القوى السياسية السودانية مواقف واضحة من الانتهاكات التي ارتكبتها المليشتا .*
*ويجب ألا يتحول الخطاب السياسي إلى معركة يكون دائماً فيها طرف واحد هو المسؤول ، بينما تُهمل أفعال الطرف الآخر ، والسؤال الأهم : (من أين تستمد هذه القوى السياسية شرعيتها للحديث باسم الشعب السوداني ؟) ، ولا توجد أي إنتخابات منحتها تفويضاً دائماً ، ولا يصح أن يتحول أي تجمع سياسي إلى ممثل حصري لإرادة ملايين السودانيين .*
*يجب أن يعلم الدكتور عبد الله حمدوك والقوى المدنية التي تهتف بحياته ، إن الطريق إلى السودانيين لا يمر عبر القاعات المغلقة ولا عبر جمهور إنتقائي ، الطريق الحقيقي هو مواجهة الناس والإستماع إليهم ، بما في ذلك الذين يختلفون معهم ، ولذلك يبقى السودانيون في إنتظار اليوم الذي يأتي فيه هؤلاء إلى السودان ، وليس إلى قاعة صغيرة منتقاة في واشنطن ، موعدنا مع الجميع أرض الواقع ، حيث الحرب وآثارها ، وحيث الناس الذين دفعوا الثمن الأكبر ، هنالك فقط يمكن أن يسمع السياسي السؤال الحقيقي ، وأن يرى بأم عينيه كيف ينظر إليه الشعب الذي يتحدث باسمه .*
*فإمتحان الحرية ليس بالمؤيدين فقط ، والديمقراطية ليست بعدد المصفقين ، والعدالة لا تكون إنتقائية ، ومن يطلب ثقة الشعب ، عليه قبل كل شيء أن يقبل بصوت الشعب ، حتى عندما يكون هذا الصوت مختلفاً معه وغاضباً منه ، ومزعجاً له .*
*نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين*
elbagirabdelgauom@gmail.com