مقالات

ومضات من خطاب القائد مالك عقار في المنتدى السوداني العربي

سعد محمد عبدالله

يشكل إنعقاد المنتدى السوداني العربي للنقل الذكي خطوةً مهمةً في مسار إعادة بناء قطاع النقل النهري وتعزيز التعاون بين السودان والفضاء العربي في المجالات الإقتصادية والتنموية، لا سيما في ظل المرحلة الحالية التي يمر بها السودان، والتي تتطلب توظيف كل الإمكانات الوطنية والإقليمية لدفع عجلة الإستقرار وإعادة الإعمار، وقد جاءت كلمة نائب رئيس مجلس السيادة الإنتقالي، القائد مالك عقار إير، لتعكس رؤيةً إستراتيجية تؤكد أن النقل النهري ليس مجرد وسيلة لنقل البضائع والأفراد، بل يمثل ركيزةً أساسيةً لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز التكامل الإقليمي؛ كما أن التأكيد على تطوير البنية التحتية النهرية، وسن التشريعات المنظمة، وتأمين الملاحة، يمثل رسالةً واضحةً بأن الدولة تنظر إلى هذا القطاع باعتباره أحد محركات الإقتصاد الوطني القادرة على تخفيف تكلفة النقل، وتنشيط حركة التجارة، وربط السودان بعمقه العربي والأفريقي، والإنفتاح نحو العالم الواسع، وهذا المنتدى يفتح الباب أمام شراكات ذكية تستفيد من الخبرات والتقنيات الحديثة، وتؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها النقل النهري أحد أهم أدوات النهوض الإقتصادي والتواصل الإجتماعي والتلاقح الثقافي، خاصةً مع ما يتمتع به السودان من موقع جغرافي متميز ينفتح على سبع دول، ويتوسط شبكةً واسعةً من الأنهار، تؤهله لإستعادة دوره التاريخي كمركز محوري للتبادل التجاري مع الإقليم والعالم أجمع.

إن الإشارة إلى الممر المائي الممتد من بحيرة فيكتوريا إلى الإسكندرية تؤكد الأهمية الجيوسياسية للنقل النهري، باعتباره جسرًا للتواصل بين أفريقيا والعالم العربي، وفرصةً واعدةً لتعزيز إنسياب حركة التجارة والإستثمار، وتبادل العلوم والمعارف، ويكتسب هذا التوجه أهميةً مضاعفةً في ظل الإهتمام الدولي المتزايد بالنقل المستدام، والمبادرات العالمية التي تدعم تطوير الممرات المائية وتقليل الإنبعاثات الكربونية الضارة بالمناخ، ومن هنا، فإن الإستثمار في هذا القطاع لا ينبغي أن يقتصر على إنشاء الموانئ والمراسي والتجمعات التجارية، بل يجب النظر إليه في ضوء التنافس العالمي المحتدم حول الممرات المائية الحيوية، مع العمل على إستخدامها وفق إستراتيجيات مشتركة تشمل تحديث الأساطيل النهرية، وتطوير نظم الإدارة الرقمية، وتأهيل الكوادر الوطنية، وتعزيز التعاون مع الشركاء العرب والدوليين لنقل المعرفة والخبرة، وتوطيد التواصل الثقافي بين الشعوب، ويجب تجنب الإستخدامات السالبة التي تضر بمستقبل بلادنا؛ فنجاح هذه الرؤية يتطلب إرادةً سياسيةً قويةً، وتنسيقًا مؤسسيًا بين مختلف الجهات ذات الصلة، حتى يتحول النقل النهري إلى رافعة حقيقية للإنتاج والتجارة، تسهم في تخفيض تكاليف النقل، وتحسين تنافسية الإقتصاد السوداني، وخلق فرص عمل جديدة تدعم الإستقرار والتنمية العادلة في الريف والمدينة.

من النقاط المهمة التي تستحق التأمل والتقدير ما أشار إليه القائد مالك عقار بشأن ضرورة تغيير النظرة إلى الإمكانات الوطنية؛ إذ إن السودان لا يعاني من فقر الموارد بقدر ما يحتاج إلى إدارة أكثر كفاءةً وجدارةً، وإستثمارٍ أفضل لما يمتلكه من ثروات طبيعية وبشرية لإحداث النهضة الوطنية الشاملة؛ فالحرب، على قسوتها، لم تُلغِ مقومات التنمية، وإنما فرضت تحديات وتعقيدات تستوجب من السودانيين إيجاد وسائل جديدة للتعامل معها، مع التخطيط الإستراتيجي، وإستنهاض الطاقات الوطنية للعبور نحو المستقبل المنشود، ومن هذا المنطلق، فإن إعادة تنشيط الملاحة بين السودان وجنوب السودان تمثل خطوةً إستراتيجيةً لإحياء المصالح المشتركة بين البلدين، وبالتوازي مع ذلك ينبغي العمل على تعزيز وشائج العلاقات الإقتصادية والإجتماعية مع الفضاء العربي، الذي يمثل محور التكامل بين قارتي أفريقيا وآسيا عبر السودان، ومن المهم إعادة الثقة في دور النقل النهري كوسيلة للتكامل والتنمية؛ كما أن تبني سياسات عملية واضحة لإدارة الموارد، وتشجيع العمل والإنتاج، وتهيئة البيئة الملائمة لجذب الإستثمارات، وإزالة المعوقات الإدارية، سيجعل هذا القطاع أكثر فاعليةً وقدرةً على الإسهام في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وتحقيق التنمية المتوازنة في مختلف ولايات وأقاليم السودان.

في محصلة هذا التحليل، يتبين أن المنتدى السوداني العربي للنقل الذكي لا يمثل فعاليةً فنيةً فحسب، بل يعكس توجهًا إستراتيجيًا نحو بناء شراكات ذكية سودانية وعربية قائمة على منطق المصالح المشتركة، والتنمية المستدامة، وتوسيع دائرة التواصل الثقافي والإجتماعي، وأعتقد أن التوصيات التي ستصدر عنه ينبغي أن تتحول إلى برامج تنفيذية محددة بجدول زمني واضح، مع توفير التمويل، وتوسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص وفق آليات وسياسات مرنة وفعالة، والإستفادة من التجارب العربية والدولية الناجحة في إدارة الممرات المائية وتحديث الموانئ، وربط تطوير النقل النهري بخطط الإعمار والتنمية الإقتصادية، مما يمنح السودان فرصةً حقيقيةً لإستثمار موقعه الجغرافي المميز وموارده الطبيعية الهائلة بصورة أكثر كفاءة؛ فبناء جسر العبور إلى المستقبل ليس حديثًا عابرًا يُقال ويُترك حيث قِيل على المنابر، بل يتطلب من الحكومة وضع رؤية بعيدة المدى تجعل من النقل النهري محورًا للتكامل الوطني والإقليمي، وأداةً لتفعيل حركة التجارة والإستثمار وتحقيق التنمية الشاملة، بما يرسخ مكانة السودان على خارطة العالم بوصفه حلقة وصل بين أفريقيا والعالم العربي، ويعيد لهذا القطاع الحيوي دوره التاريخي في خدمة الإقتصاد والمجتمع.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى