
يوم المعلم… المعلمة نور لبلادا (الأستاذة نور)
✍️ د. جعفر الفاضل الدهمشي
كتب الأستاذ خالد الشيخ حاج محمود في مجموعة “صالون خالد الشيخ” قائلاً: تحدث إليَّ الفنان الراحل بلوم الغرب عبدالرحمن عبدالله عندما سألته عن اغنية “المعلمة نور لي بلادا”، فأجاب قائلاً: (في جلسة خاصة مع شاعر الأغنية، باشمهندس أمين إدريس – أطال الله عمره – أكد لي أن المعلمة التي كُتبت لها الأغنية هي المعلمة “نور”، وقد جسد الشاعر ذلك بطريقة بديعة حين قال: [ المعلمة نور لي بلادا ]، وهو معنى يحمل القرب والبعد معاً)..
*فكتبتُ أنا وقلتُ:*
في قلب مدينة الأبيض، حيث تنساب الحياة بهدوء وتتقاطع بين الأزقة القديمة في أحياء الجمهورية والقبة والجلاء، كانت هناك امرأة لا تُشبه أحداً، تُشبه الوطن حين يحنو، وتُشبه النور حين يضيء بلا ضجيج. كانت تشرق شمس أخرى كل صباح، لا في السماء، بل في قلب معلمة استثنائية، فكانت: *(الأستاذة نور).*
عرفناها ونحن بعدُ في بدايات الطريق، حين كنت طفلاً صغيراً تلميذاً أرتدي زي الصف الأول بمدرسة الجلاء الابتدائية (ب) للبنين، الواقعة بحي الجمهورية، وكانت حينها (الأستاذة نور) معلمة بمدرسة البنات المجاورة، التي كانت تُعرف حينها ب *مدرسة حي النصر الابتدائية للبنات* مدرسة تنبض بالحياة والضوء بفضل نورها، اسماً وسيرةً. وتسكن في حي القبة.
يفصل بين المدرستين شارع رملي، يتحول إلى خور موسمي في فصل الخريف، وكأن الطبيعة نفسها كانت ترسم حدوداً مؤقتة بين عالمين، لكنها لم تستطع ان تكون حاجزاً أمام التواصل التربوي والاجتماعي النبيل.
ففي فترة (العصرية)، كنا –الأولاد والبنات– نلتقي في برامج النشاط الطلابي المشترك، التي كانت تُقام في مدرسة البنات.
مدرسة الأولاد بقيادة الأستاذ (إسماعيل أحمد حمزة)، ومدرسة البنات بقيادة الأستاذة نور التي كانت القلب النابض لتلك الفعاليات، تشرف عليها بحيوية لا تُضاهى.
لم تكن *نور* مجرد معلمة تؤدي واجبها الوظيفي فحسب؛ بل كانت طاقة متجددة لا تهدأ، وروحاً تسري في المكان وتنبض بالحياة، شخصية تربوية حاضرة في كل تفاصيل حي الجمهورية والقبة، والجلاء. تعرفها كل البيوت، وكل الوجوه وكل الازقة. وأحبها الجميع لصدقها وتفانيها، ولأنها كانت تجسد طيبة أهل الأبيض وأصالة إنسانها.
لم تكن تُدرّس فقط، بل كانت تُربّي، تُلهم، وتزرع في طالباتها -وحتى الطلاب- بذور الانتماء. كانت تمثل نموذجاً نادراً للمرأة السودانية المعطاءة، التي لا تكتفي بالواجب، بل تتجاوزه إلى الرسالة.
إن أردتم أن تُبحروا في تفاصيل تلك الأيام، وتغوصوا أكثر في تفاصيل تلك المرحلة المضيئة، فابحثوا عن الأستاذ (إسماعيل أحمد حمزة) ابن حي القبة الوفي المخلص، الذي لا تزال ذاكرته تحتفظ بالكثير من الحكايات والمواقف التي تخلّد تلك الأيام الجميلة. فهو شاهد حي على تلك المرحلة، ويحمل ذكرياتها التي لا تُروى إلا لمن يُجيد الإصغاء. وإن حالفني القدر وإلتقيته، أو تسنّى لي الوصول إلى هاتفه، لسألته أن يحكي لنا بعضاً من فصول تلك المرحلة النبيلة واستنطقت منه الذكريات، واحدةً تلو الأخرى، كما تُستخرج الجواهر من أعماق البحر.
بعد سنوات من العطاء، غادرت *الأستاذة نور* مدينة الأبيض، وانتقلت إلى أم درمان، حيث استقر بها المقام في منطقة الحتانة، قرب مقابر الأطفال. إلى أن أسلمت روحها الطاهرة ودُفنت، تاركة خلفها سيرة عطرة وذكريات لا تُنسى.
رحم الله الأستاذة *(نور)،* وجعل ذكرها وعطائها نوراً ممتداً لا ينطفئ في ذاكرة الوطن، وسيرتها شاهداً على قيمة العطاء في أبهى صوره. وما زلنا نمشي في ضوء ذكراها، نستظل بعبقها، ونحكي للأجيال أن النور كان يوماً إنسانة.
ودمتم أوفياء لذاكرة
النور… وعطر المعاني.
تحياتي
✍️
*د. جعفر الفاضل الدهمشي*
🌻🌻🌻