
✍🏾 د. عثمان جلال يكتب أكاديمية الدكتور عثمان الهادي للتأمين الإسلامي (1)
✍🏾 د. عثمان جلال يكتب
أكاديمية الدكتور عثمان الهادي للتأمين الإسلامي
(1)
ولئن كان الشيخ المجدد الترابي العقلَ المفكر لأسلمة الاقتصاد ومن ضمنه قطاع التأمين، والبروفيسور الضرير المنظر الفقهي لتجربة التأمين في السودان، فإن الدكتور عثمان الهادي يقف في طليعة الآباء المؤسسين الذين ساهموا في صناعة التجربة، وتتجلى بصماته في تحويل شركة “شيكان” من مكتب صغير إلى أكبر شركة تأمين في السودان وأول شركة تنال شهادة الآيزو العالمية. وفي ظل قيادته لها، انتشرت فروع الشركة ومكاتبها في ولايات السودان ومحلياته كافة، وابتكر تغطيات تأمينية جديدة في السوق السودانية كالتأمين الطبي والزراعي، وابتدع وثائق في التكافل والتأمين العام. وكانت المقاصد الاستراتيجية من وراء ذلك تعميم التجربة لتظلل قطاعات المجتمع كلها، وإدماج التأمين في عمليات بناء الدولة، وريادة تجربة التأمين الإسلامي حتى تكون الأنموذج في الفخار والإلهام على المستويين الإقليمي والدولي.
(2)
ولبلوغ تجربة التأمين الإسلامي في السودان آفاق الريادة العالمية، ركز الدكتور عثمان على التدريب والتعليم والتعلم في شركة “شيكان”، وخصص لذلك أعلى الميزانيات المالية، ورفع إدارة التدريب إلى قمة الهيكل التنظيمي بدرجة مساعد مدير عام، وهيأ اللوجستيات والتقنيات الداعمة للتنمية البشرية كافة داخل الشركة، مما أثمر عن أكبر طفرة لتدريب العاملين بالشركة على مستوى البرامج الداخلية والخارجية.
بل كانت الشركة تخصص مقاعد مجانية لتدريب العاملين في الشركات العاملة في سوق التأمين السودانية؛ فالمنافسة عند الدكتور عثمان تتجاوز القطرية إلى انتهاض سوق التأمين السودانية بأسرها نحو آفاق العالمية. وكذلك ساهمت الشركة في نقل تجربة التأمين الإسلامي إلى عدد من الدول العربية والإفريقية والإسلامية، وفي ظل قيادته للشركة أحدثت أكبر طفرة في دراسة زمالات التأمين العربية والبريطانية، وتجاوز عدد العاملين الذين نالوا الشهادات المهنية الـ 100 موظف.
(3)
كذلك في ظل قيادته للشركة، حدثت أكبر طفرة في الدراسات الأكاديمية من مستوى الشهادة السودانية وحتى الدكتوراه، بل أتاح الفرصة لكل العاملين الراغبين في الجمع بين دراستين أكاديمية ومهنية في السياق الزمني ذاته، وألغى شرط كتابة العامل إقراراً وتعهداً بالبقاء في الشركة لأعوام محددة عند حيازته للشهادة العلمية أو المهنية. والعبقرية في هذا الإجراء أن المنظمة الرائدة والمتعلمة يجب أن تمتلك القدرات الناعمة لصيانة المواهب والمحافظة على “عمالة المعرفة”، وأن انتقال العامل إلى شركة منافسة يصب في تطوير تجربة التأمين الإسلامي في السودان، و”يا سحابة شرقي وغربي أينما تمطري يأتني خراجك”. إنه التفكير الإبداعي، أي النظر إلى الأمور بطريقة مختلفة، أو ما يُعرف بـ “التفكير خارج الصندوق”.
(4)
خلال دراستنا في الفكر الإداري، لا سيما نظريات القيادة؛ مثل “القيادة التحويلية” وتعني تلمس توقعات العاملين والعملاء والموردين والشركاء والمجتمع، وتصميم الرؤية والرسالة والقيم والأهداف الاستراتيجية، واعتناق ثقافة الجودة والتحسين المستمر والعمل الجماعي. وكذلك “نظرية الرجل العظيم” وتفيد بأن القادة يولدون ويتمتعون بمواهب خارقة لصناعة التغيير في الحياة والمجتمع. وكذلك “نظرية السمات” وتعني انفراد القادة بسمات ذهنية وشخصية ووظيفية واجتماعية. وكذلك “النظرية السلوكية” وتعني تميز القادة بالسلوك الموجه نحو الإنجاز وتحفيز الأفراد. و”القيادة الموقفية” وتعني أن القائد الناجح يختار الأسلوب القيادي الأنسب لكل موقف.
(5)
كذلك عند دراستنا للأنماط القيادية؛ ومنها “القيادة التبادلية” (أو المعاملاتية) وتعني علاقة تبادل بين القائد والمرؤوسين تعتمد على المكافأة والعقاب مقابل الأداء، والمحافظة على النظام والانضباط وتحقيق الكفاءة التشغيلية. وكذلك “القيادة الأصيلة” التي تركز على قيم الأصالة والنزاهة والثقة في اتخاذ القرارات. وكذلك “القيادة الخادمة” وتعني تقديم مصالح العاملين أولاً. وكذلك “القيادة الأخلاقية” وتعني توجيه الأفراد نحو تحقيق الأهداف في سياق من القيم الأخلاقية والنزاهة والشفافية. وكذلك “القيادة الثقافية” أو العالمية وتعني توجيه الأفراد وفرق العمل من خلفيات ثقافية متنوعة نحو تحقيق الأهداف المشتركة. وكذلك “القيادة الابتكارية” وتعني تعزيز القدرة التنافسية والنمو المستدام وجذب المواهب وعمالة المعرفة.
فقد بدا لي أن شخصية الدكتور عثمان الهادي العبقرية قد جمعت من سمات وخصائص وسلوكيات ومزايا هذه النظريات والأنماط القيادية كلها، وحقاً قد جمع الرحمن فيه المعاني، وكأني به قد عناه أبو نواس في بيت شعره:
وَلَيسَ بِمُستَنكَرٍ لِلَّهِ أَن يَجمَعَ العالَمَ في واحِدِ
(6)
لقد كان الدكتور عثمان الهادي “ود بلد وشيخ عرب”، تماثل في شخصيته الفذة قبس القيادة ذي الخصوصية والنكهة السودانية التي ذكرها الشيخ العبيد ود بدر فكان: “في وشو قهر، وعندو ضهر، وبتحمل السهر، وعندو خلق، وأيدو طلق”. وكان يجود من كلتا يديه ويقتدي بالطيبين وبه البلاد تفاخر. وكان إيمانه الراسخ أن نسبة التبرعات المخصصة من الفائض التأميني ستعود بالفيوضات والبركة على الشركة. وكأني به قد عناه ابن مدينته الشاعر صلاح أحمد إبراهيم في أبيات قصيدته “نحن والردى”:
نتركُ الدنيا وفي ذاكرةِ الدنيا
لنا ذكرٌ وذكرى من فعالٍ وخُلُقْ
ولنا إرثٌ من الحكمةِ والحِلمِ
وحبِّ الآخرينْ
وولاءٌ حينما يكذبُ أهليهِ الأمينْ
ولنا في خدمةِ الشعبِ عرقْ
هكذا نحنُ ففاخرْ بنا
(7)
رسالتي إلى مديري شركات التأمين وشركة الإعادة الوطنية في السودان كافة، والاتحاد العالمي لشركات التأمين التكافلية، هي أن أنبل قيمة وفاء وعرفان وتخليد لذكرى الراحل المقيم الدكتور عثمان الهادي، هي تداعيكم للمشاركة في تشييد أكاديمية بمواصفات عالمية تحمل اسمه؛ لتدريب وتطوير العاملين والوكلاء والمنتجين والطلاب والباحثين داخل السودان وخارجه في تقنيات التأمين الإسلامي، على أن يكون الدور الطليعي للأكاديمية في المستقبل استهداف أصحاب المصلحة داخل السودان وخارجه لدراسة الزمالات المهنية المتخصصة في فروع التأمين الإسلامي. وكما تأسست في السودان أول شركة تأمين إسلامية في العالم (شركة التأمين الإسلامية)، ستكون “أكاديمية الدكتور عثمان الهادي للتأمين الإسلامي” أول مؤسسة في العالم متخصصة في دراسة الزمالات المهنية في التأمين الإسلامي.
الأربعاء: 2026/5/20