
أبوحمد وصحراء عتمور… حين تتحدث الحجارة عن حضارات السودان بقلم: د. ياسر أحمد إبراهيم
أبوحمد وصحراء عتمور… حين تتحدث الحجارة عن حضارات السودان
بقلم: د. ياسر أحمد إبراهيم
ليست أبوحمد مجرد مدينةٍ على منحنى النيل، ولا صحراء عتمور مجرد امتدادٍ رملي يفصل وادي النيل عن أعماق الصحراء؛ فهذه الأرض تخفي بين جبالها ووديانها وآثارها صفحاتٍ نادرة من تاريخ السودان، تمتد جذورها إلى عصور بعيدة، حين كانت حضارات وادي النيل تصنع مجدها وتترك بصماتها على ضفاف النهر وطرق الصحراء.
في هذه المنطقة تلتقي الجغرافيا بالتاريخ؛ فالنيل كان شريان الحياة، بينما كانت صحراء عتمور طريقاً للقوافل والحركة والتجارة والتواصل بين وادي النيل والمناطق الداخلية. ولهذا أصبحت المنطقة مسرحاً لتعاقب حضارات وثقافات تركت آثاراً مادية وثقافية تستحق البحث والحماية.
وتبرز الحضارة الكوشية باعتبارها واحدة من أهم الحلقات في هذا التاريخ الممتد. فقد ازدهرت مملكة كوش في شمال السودان، وارتبطت حياة أهلها بالنيل والزراعة والتجارة واستغلال الموارد، وخلّفت أجيالها آثاراً عظيمة من المعابد والمقابر والمنشآت واللقى الأثرية التي تؤكد أن السودان كان مركزاً حضارياً مؤثراً في العالم القديم.
ولم يتوقف التاريخ عند كوش؛ فقد تعاقبت على المنطقة مراحل حضارية لاحقة، حملت معها تغيرات في أنماط الحياة والعمارة والمعتقدات والتجارة. ومن بينها الفترات المروية وما تلاها من حضارات وادي النيل، ثم المراحل المسيحية والإسلامية، وصولاً إلى العصر الحديث. وهكذا تبدو أرض أبوحمد وعتمور وكأنها كتاب مفتوح، كتبت كل حضارة فصلاً من فصوله.
والأهم من وجود الآثار هو ما يمكن أن تخبرنا به هذه الآثار عن الإنسان السوداني القديم: كيف عاش؟ كيف بنى؟ كيف تعامل مع النيل والصحراء؟ كيف تحركت القوافل؟ وكيف نشأت شبكات التجارة والتواصل بين المناطق المختلفة؟
إن صحراء عتمور، بما تختزنه من مواقع ومسارات قديمة، تحتاج إلى مشروع علمي متكامل لمسحها أثرياً وتوثيق مواقعها باستخدام التقنيات الحديثة، وربطها بالمواقع الأثرية في منطقة أبوحمد وشمال السودان.
إنقاذ آثار أبوحمد وعتمور ليس ترفاً ثقافياً؛ بل هو إنقاذ لذاكرة وطن.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى شراكة حقيقية بين الجهات المختصة بالآثار، والجامعات ومراكز البحوث، والمجتمع المحلي، لإجراء المسوحات والتنقيب العلمي والتوثيق والترميم، ثم تحويل هذه الثروة التاريخية إلى مورد للمعرفة والسياحة والتنمية.
أبوحمد تستطيع أن تكون أكثر من مدينةٍ تعيش على حاضرها؛ يمكن أن تصبح بوابةً إلى تاريخ السودان العميق، ومركزاً للسياحة الأثرية والعلمية، إذا أحسنا قراءة ما تركه لنا الأجداد، وحافظنا عليه للأجيال القادمة.
ففي كل حجرٍ هنا حكاية، وفي كل مقبرةٍ أثر، وفي كل طريقٍ صحراوي ذاكرة، وفي منحنى النيل قصة حضارة.
أبوحمد ليست فقط مدينة الذهب والنيل… إنها مدينة التاريخ الذي لم يُقرأ كله بعد.
د. ياسر أحمد إبراهيم.