
أفكار لميس أدهم أسئلة مشروعة .. بين مواجع الغربة وحنين العودة
أفكار
لميس أدهم
أسئلة مشروعة .. بين مواجع الغربة وحنين العودة
منذ أن قال مريد البرغوثي إن الغربة تشبه الموت، لم يعد هذا التشبيه يبدو مجازا بقدر ما هو توصيف دقيق لحالة تُعاش يوميا. فالغربة لا تسلبك المكان فقط، بل تُعيد تشكيل إحساسك بذاتك، تُبعدك عن النسخة التي كنت تعرفها، وتضعك أمام مرآة لا تعكسك كما أنت، بل كما أصبحت مضطرا أن تكون.
اليوم، أرسلت لي صديقتي فيديو وهي تتجول في طرقات الخرطوم، تضحك مع صديقاتها، تتحرك بخفة من يعرف المكان ويعرفه المكان. لم يكن مجرد مقطع عابر، بل كان نافذة مفتوحة على حياة تركتها هناك، أو ربما تركتني أنا فيها. للحظة، شعرت أنني معهم، أن قدميّ تلامسان ذات الأرض، وأن صوتي يختلط بضحكاتهم.
غير أن المشهد كان أعمق من ذلك؛ مبانٍ مثقلة بآثار ما مرّ عليها، تقف بصمتٍ كثيف، وبجوارها محال تعج بالحياة، وجوه تمضي، وأصوات لا تتوقف. كأن المدينة تُخفي في تفاصيلها ما لا تقوله صراحة، وتُبقي نبضها جاريا رغم كل ما حاول أن يثقل إيقاعه.
لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة, أنا هنا، وجسدي هنا، أما روحي فما زالت عالقة هناك، في مدينة لم تغادرني رغم أنني غادرتها.
الغربة ليست فقط ابتعادا عن المكان، بل حالة انقسام داخلي. أن تعيش بنصفك، وتترك نصفك الآخر في وطنك. أن تتابع أخبار بلدك بقلق من لا يملك شيئا إلا الدعاء، وأن تحمل حنينا لا يُصرف، ولا يُخفف، ولا يُنسى. هي أن تصبح شاهدا من بعيد على تفاصيل كان من حقك أن تعيشها، وعلى ألم كان من المفترض أن تتقاسمه لا أن تراقبه.
ومع كل هذا القلق، يبرز سؤال الثقة. ليس كترف فكري، بل كحاجة وجودية لشعب يمر بكل هذا الثقل. إن ثقتنا في قواتنا المسلحة ليست موقفا عاطفيا عابرا، بل امتداد لفكرة الدولة نفسها، لفكرة أن هناك ما يزال قائما، ما يزال يحمي، وما يزال يقف. وفي أوقات الاضطراب، يصبح الحفاظ على هذه الثقة جزءا من معركة الوعي، لأن التشكيك غير المسؤول لا يُضعف مؤسسة بعينها فقط، بل يُضعف الإحساس العام بالأمان والانتماء.
هذا لا يعني غياب الأسئلة، ولا إلغاء حق النقد، لكنه يضع فرقا واضحا بين النقد الذي يسعى للإصلاح، والتشكيك الذي يفتح الباب للفوضى. فالأوطان التي تمر بمراحل حرجة لا تحتمل رفاهية الهدم المعنوي، ولا يمكن أن تُبنى وسط انعدام الثقة الكامل.
السودان ليس مجرد مكان، بل ذاكرة حية، دفء يتسلل إلى الروح، وانتماء لا تقدر المسافات على اقتلاعه. هو ذلك الوطن الذي، مهما أثقلته الجراح، يظل في الوجدان جميلا، دافئا، وقريبا بشكل مؤلم. وربما هذا هو التناقض الأكبر: أن يظل الوطن في داخلك كاملا، بينما تراه من الخارج متشظيا.
الرغبة في العودة لا تأتي فقط من الحنين، بل من إحساس عميق بأن ما ينقصك ليس رفاهية، بل أصل. أن حياتك، مهما استقرت، تظل مؤقتة، وأنك تعيش على هامش ذاتك الحقيقية. العودة هنا ليست قرارا بسيطا، بل حلم معلق بظروف أكبر من الفرد، بواقع سياسي معقد، وبأسئلة لا تجد إجابات سهلة.
ومع ذلك، يظل هذا الحلم حاضرا. ليس لأن العودة مضمونة، بل لأن الانتماء لا يُلغى. ولأن الثقة، مهما اهتزت حولنا، تظل في داخلنا محاولة مستمرة للتمسك بما تبقى من معنى الوطن… في طرقات الخرطوم.