الأعمدة

أفكار  لميس أدهم  السفير هاني صلاح .. شهادة غير مجروحة

أفكار

لميس أدهم

السفير هاني صلاح .. شهادة غير مجروحة

تعقيبا على ما كتبه الأمير جمال عنقرة، أجدني أمام كلمات أتفق معها في ما ذهبت إليه، وإن كنت أدرك أن شهادتي قد يراها البعض مجروحة بحكم قرب التجربة وملامسة التفاصيل. غير أن قرب الشاهد من المشهد لا ينتقص من الحقيقة، بل قد يجعله أقدر على رؤية ما لا تلتقطه العيون من بعيد.

 

لقد ظل ملف السودان في الوجدان المصري أكبر من مجرد مهمة دبلوماسية عابرة، ولذلك لم يكن اختيار السفراء إلى الخرطوم يوما قرارا روتينيا، بل كان دائما اختيارا تحكمه حساسية الدور وثقل المسؤولية. ومن حسن حظي أنني عاصرت أكثر من محطة مضيئة في هذا المسار.

 

عملت مع السفير حسام عيسى في فترة ما زالت حاضرة في الذاكرة بكل ما حملته من مهنية واقتدار وإنجاز. كان رجل دولة يعرف كيف يوازن بين صلابة الموقف ورحابة الحوار، فترك أثرا لا يزال يذكره السودانيون بكل تقدير.

 

واليوم، وأنا أكتب عن السفير هاني صلاح، أشعر أن الكلمات تضيق بما أريد قوله. فبعض الرجال لا يمكن اختصارهم في عبارات الثناء، لأن حضورهم يتجاوز المناصب والألقاب. لقد شاهدته في أكثر اللحظات تعقيدا، حين كانت المنطقة تموج بالقلق والأسئلة المفتوحة على المجهول، ورأيته ثابتا حين اهتزت أقدام كثيرين، هادئا حين ارتفعت الأصوات، وحكيما حين كانت الحكمة أثمن ما يمكن أن يقدمه رجل في موقعه.

 

لم تكن دبلوماسيته مجرد أداء وظيفي متقن، بل كانت مدرسة قائمة بذاتها. كان يصغي قبل أن يتحدث، ويفهم قبل أن يحكم، ويبحث عن الجسور حين ينشغل الآخرون بالمسافات. ولذلك لم يكن غريبا أن يحظى بهذا القدر من الاحترام والتقدير من مختلف الأطراف، فالأثر الحقيقي لا تصنعه البيانات الرسمية، وإنما تصنعه المواقف الإنسانية والقدرة على بناء الثقة في الأوقات الصعبة.

 

وربما كانت أجمل ما يميز المؤسسة الدبلوماسية المصرية أنها لا تراهن على الأفراد وحدهم، بل على تراكم الخبرات واستمرارية المدرسة. لذلك فإن الثقة التي أحاطت بالسفير هاني صلاح خلال سنوات عمله، هي ذاتها الثقة التي تدفعنا لاستقبال السفير ياسر سرور بكثير من التفاؤل. فالرجل يأتي محمّلا بمعرفة عميقة بملف السودان، ومسنودا بإرث من الخبرات والعلاقات التي تجعل الانتقال امتدادا لمسيرة لا بداية جديدة لها.

 

هكذا تمضي الحياة، يترجل رجال ويأتي آخرون، لكن القيم الكبرى تبقى. وتبقى بعض الأسماء محفورة في الذاكرة لأنها لم تؤدِ واجبها فحسب، بل منحت من وقتها وجهدها وقلبها أكثر مما يفرضه الواجب.

 

أما السفير هاني صلاح، فسيظل واحدا من أولئك الذين مروا من هنا وتركوا أثرا أكبر من مناصبهم، وأعمق من كلمات الثناء التي تُكتب عنهم. وبعض الأثر، مهما حاولنا وصفه، يظل أكبر من اللغة نفسها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى