الأعمدة

أفكار  لميس أدهم  خارطة طريق

أفكار

لميس أدهم

خارطة طريق

يطرح الأمير جمال عنقرة في مقاله “الحوار السوداني السوداني… وعودة قيادات الدعم السريع” فكرة تبدو في غاية الأهمية في هذا التوقيت الحرج من تاريخ السودان، وهي التفريق بين “التسويات المرحلية” التي قد تنجح في إعادة بعض الأفراد من دائرة الحرب، وبين “الحوار الوطني الحقيقي” القادر على معالجة جذور الأزمة السودانية نفسها.

 

فالمقال لا يتعامل مع عودة بعض قيادات الدعم السريع باعتبارها نهاية للمشكلة، وإنما يضعها في إطار أضيق؛ خطوة قد تسهم في تخفيف نار الحرب، لكنها لا تكفي وحدها لبناء السلام المستدام. وهنا تظهر قوة الطرح؛ إذ ينتقل الكاتب من معالجة النتائج إلى التفكير في الأسباب العميقة التي ظلت تدفع السودان من نزاع إلى آخر، ومن انقلاب إلى آخر، حتى أصبح الوطن يدور في دائرة مفرغة من الاستنزاف والتشظي.

 

يكتب الأستاذ جمال هنا بعقلية الباحث عن “عقد وطني” جديد، لا بعقلية المنتصر سياسياً. لذلك كان واضحاً في تأكيده أن الحوار المطلوب ليس حوار سلطة ومعارضة، ولا تفاوضاً مغلقاً بين النخب، وإنما حوار مجتمع كامل، بكل مكوناته السياسية والاجتماعية والفكرية. وكأن الرسالة الأساسية للمقال تقول إن السودان لن ينجو عبر صفقات مؤقتة، بل عبر مشروع وطني يشعر فيه الجميع أنهم شركاء في الوطن لا ضيوفاً عليه.

 

كما أن المقال يلفت الانتباه بقراءته للعلاقة بين الشعب والجيش خلال الحرب؛ فذلك الالتفاف الشعبي الكبير الذي حدث تحت شعار “شعب واحد جيش واحد” يراه الكاتب قاعدة يمكن البناء عليها للانتقال من مرحلة الدفاع عن الوطن إلى مرحلة تأسيس الدولة. وهي فكرة تحمل بعداً عميقاً؛ لأن الأوطان لا تُبنى فقط بالبندقية، وإنما بالإرادة الجماعية التي تأتي بعد صمت البنادق.

 

وربما أكثر ما يميز المقال أنه لا يطرح السلام بوصفه مجرد توقف للقتال، بل باعتباره مشروعاً لإعادة صياغة العلاقة بين السودانيين أنفسهم؛ علاقة تقوم على القبول المتبادل، لا على الإقصاء، وعلى فكرة الوطن الذي يتسع للجميع، لا الوطن الذي يحتكره طرف واحد.

 

إنه مقال يحمل قدراً من الواقعية السياسية، لكنه في الوقت نفسه مشبع بإيمان واضح بأن السودان، رغم كل ما مر به، ما زال قادراً على النهوض إذا امتلك أبناؤه شجاعة الحوار، لا فقط شجاعة القتال.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى