
أفكار لميس أدهم دعوة الرئيس البرهان للحوار.. وملاحظات الأمير عنقرة
أفكار
لميس أدهم
دعوة الرئيس البرهان للحوار.. وملاحظات الأمير عنقرة
في اللحظات التي تعب فيها الوطن الحبيب من الحرب، لا يصبح السؤال من ينتصر عسكرياً فقط، بل: كيف يمكن منع الهزيمة الوطنية الشاملة؟ وكيف يمكن إعادة بناء المعنى نفسه للدولة، بعدما أنهكتها البنادق والانقسامات والدماء؟
من هنا تكتسب دعوة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان للحوار السوداني داخل السودان أهميتها السياسية والتاريخية. فالدعوة هذه المرة لم تأت من وسيط خارجي، ولا من منصة إقليمية، ولا من نخبة تتبادل البيانات من وراء الحدود، وإنما جاءت من رأس الدولة ومن صاحب القرار العسكري والسياسي الأكثر تأثيراً في المشهد السوداني اليوم. وهذه نقطة لا يمكن تجاوزها بسهولة، لأن أي حوار جاد يحتاج أولاً إلى إرادة تملك القدرة على التنفيذ، لا مجرد الرغبة في الحديث.
الوثيقة المطروحة للحوار حملت كثيراً من العناصر التي يمكن البناء عليها؛ بدءاً من التأكيد على السيادة الوطنية وإقامة الحوار داخل السودان، مروراً بالدعوة إلى تشكيل لجنة وطنية مستقلة، وانتهاءً بالحديث عن ميثاق ملزم وآليات للمتابعة والتنفيذ. وهي، من حيث الشكل، تبدو أقرب إلى محاولة لصناعة إطار سياسي جامع يعيد ترتيب الدولة بعد سنوات الانهيار والتشظي.
لكن التجارب السودانية علمتنا أن الأزمات لا تُحل بالنوايا وحدها، وأن أخطر ما يمكن أن يواجه أي حوار هو الغموض، ثم الإقصاء.
ولهذا جاءت ملاحظات الأمير جمال عنقرة مهمة، لا لأنها تعارض الحوار، بل لأنها تحاول الاقتراب من أسئلته الصعبة. فحين تساءل: من هم “أهل الوجعة” الذين سيشاركون في الحوار؟ كان يضع إصبعه على واحدة من أعقد أزمات السياسة السودانية؛ أزمة التمثيل الحقيقي. إذ ظلت كثير من الحوارات السابقة تدور داخل قاعات مغلقة، بين نخب الفنادق والبيانات، بينما بقي الذين دفعوا ثمن الحرب الحقيقي خارج المشهد؛ المواطن البسيط، والنازح، والمقاتل، والأم التي فقدت أبناءها، والمدينة التي فقدت ملامحها.
لا يمكن لأي حوار أن ينجح إذا تحول إلى منصة للنخب وحدها، أو إذا أعاد إنتاج ذات الطبقة السياسية التي فشلت في حماية الدولة قبل الحرب. فالسودان اليوم ليس بحاجة إلى تسوية شكلية بقدر حاجته إلى عقد وطني جديد يعترف بحجم الخراب، ويبحث عن مستقبل مختلف.
وفي المقابل، يثير الأمير نقطة أكثر حساسية حين يتحدث عن استبعاد القوى التي “تلطخت أيديها بالدماء”. فهنا تقف السياسة أمام معضلتها الأخلاقية الكبرى: كيف يمكن الجمع بين العدالة والسلام؟ وهل يمكن إنهاء حرب أهلية دون التفاوض مع الأطراف المنخرطة فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟
هذا السؤال لا يملك إجابة سهلة، لكنه يفرض نفسه على أي مشروع وطني جاد. فالتاريخ يخبرنا أن معظم الحروب الأهلية انتهت بحوارات شملت الخصوم قبل الحلفاء، وأن السلام الكامل نادراً ما يولد من الإقصاء الكامل. وفي الوقت نفسه، فإن أي انفتاح سياسي لا يجب أن يتحول إلى تبرئة مجانية للانتهاكات أو تجاهل لحقوق الضحايا. وهنا تبدو الحاجة ملحة إلى معادلة دقيقة توازن بين العدالة الانتقالية وضرورات إيقاف الحرب.
ربما تكمن قوة الوثيقة المطروحة في أنها حاولت الانتقال بالحوار من مجرد شعار سياسي إلى خطة عمل متكاملة؛ عبر لجان متخصصة، وآليات تنفيذ، وجدول زمني، ورقابة مجتمعية وإعلامية. غير أن نجاح أي وثيقة لا يقاس بما يُكتب فيها، بل بمدى استعداد الأطراف المختلفة للتنازل من أجل الوطن، لا من أجل المواقع والمكاسب.
لقد أرهقت الحرب السودان بما يكفي. المدن المنهكة، والاقتصاد المتآكل، والمجتمع الممزق، كلها تقول إن استمرار الانقسام لم يعد ترفاً سياسياً، بل خطراً وجودياً. ولهذا فإن الحوار، مهما كانت الملاحظات حوله، يظل أفضل من استمرار الرصاص، وأفضل من انسداد الأفق، وأفضل من وطن يتحول تدريجياً إلى ساحة مفتوحة لكل التدخلات.
لكن الحوار الحقيقي لا يبدأ بالكلمات وحدها، بل بالشجاعة. شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وشجاعة الاستماع للآخر، وشجاعة تقديم السودان على ما عداه.
فالوطن سينتصر بالكامل حين يقتنع الجميع أن الوطن نفسه يجب ألا يخسر.