الأعمدة

افكار  لميس أدهم  ليس دفاعا عن مبادرة السفير نور الدين ساتي

افكار

لميس أدهم

ليس دفاعا عن مبادرة السفير نور الدين ساتي

ثمة قدر من الحقيقة في القراءة النقدية التي قدمها السيد مهدي داود الخليفة في نقد مبادرة السفير نور الدين ساتي، غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول الوعي بعمق الأزمة السودانية إلى نوع من اليأس الفكري الذي يرى كل محاولة للتفكير في المستقبل مجرد ترف نخبوي عاجز عن ملامسة الواقع.

فليس من الإنصاف أن تُحمَّل مبادرة السفير نور الدين ساتي أكثر مما ادعت لنفسها. فهي لم تأتِ بوصفها “النسخة الأخيرة” من خلاص السودان، ولا باعتبارها وصفة سحرية تنهي الحرب وتفكك السلاح وتعيد بناء الوطنية في ليلة واحدة، بل جاءت كمحاولة عقلانية لفتح نافذة في جدار هذا الخراب الكثيف، ومحاولة لإبقاء فكرة الدولة حيّة وسط الضجيج والرصاص والانهيار.

صحيح أن السودان اليوم يواجه أزمة أعمق من النصوص الدستورية، وأكبر من مجرد إعادة ترتيب مؤسسات الحكم، لكن هل يعني ذلك أن نتوقف عن إنتاج الأفكار؟ وهل تصبح كل محاولة للتأسيس النظري تهمة لأنها لا تحمل حلولا فورية لكل هذا الركام التاريخي؟

إن الأوطان المنهكة لا تُبنى بالغضب وحده، وإنما تبدأ أولا بفكرة. والفكرة مهما بدت هادئة أمام عنف الواقع تظل بذرة الطريق الطويل.

ثم إن الحديث عن “جيش قومي مهني واحد” ليس سذاجة سياسية كما يحاول البعض تصويره، بل هو التعبير الطبيعي عن الحلم السوداني القديم بدولة تحتكر السلاح لصالح مواطنيها لا ضدهم. فصعوبة الوصول إلى هذا الهدف لا تعني التخلي عنه، وإلا صار التشظي قدرا نهائيا، وصارت الحرب تعريفا دائما للوطن.

أما السخرية الضمنية من فكرة “الأحزاب القومية غير الجهوية”، فتغفل أن الحروب نفسها هي التي تُنتج الهويات المغلقة وتغذي خوف الناس من بعضهم البعض. والمطلوب من النخب الوطنية ليس الاستسلام لهذا الواقع، بل محاولة تجاوزه، ولو بدا الطريق شاقا ومؤجلا.

الكاتب الغيور علي وطنه يتحدث بمرارة عن انهيار الوطنية السودانية، وهو توصيف مؤلم يحمل الكثير من الصدق، لكن الوطنية لا تُستعاد فقط عبر توصيف الخراب، وإنما عبر البحث ولو وسط العتمة عن مشروع يعيد للناس القدرة على تخيل وطن مشترك من جديد.

وهنا تكمن قيمة مبادرة نور الدين ساتي؛ ليس لأنها كاملة، بل لأنها ترفض الاستسلام الكامل لمنطق الحرب، وتحاول أن تقول إن السودان ما زال يستحق التفكير فيه كدولة، لا كساحة خراب مفتوح.

فالبلاد التي تفقد القدرة على إنتاج الأفكار، حتى الأفكار القابلة للنقد، تكون قد اقتربت أكثر من الموت السياسي الكامل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى