
الأشجار السودانية التاريخية التراثية
الأشجار السودانية التاريخية التراثية الخالدة من أمثلتها:
هجاليج الإمام المهدي: عقب معركة الجزيرة أبا في يوم الجمعة الموافق 19 أغسطس 1881م عبر الإمام المهدي والمجاهدون النيل الأبيض إلى الضفة الغربية بعد أن قرر المهدي الهجرة إلى قدير بجنوب كردفان. عند ضفة النهر الغربية أقام الإمام تحت شجرتي هجليج بمنطقة أغسل مسقط رأس خليفته الثاني علي ود حلو الذي كانت تنضوي تحت رايته جميع قبائل النيل الأبيض. ظل الإمام المهدي لمدة يومين يتعبد ويصلي بالمجاهدين ويرتل الراتب عقب أداء الفريضة تحت هاتين الشجرتين. الشجرتان لا زالتا موجودتين حتى اليوم.
نيمة دودو بحلة “فتنة” شمال تنقاسي: نيمة ضخمة على طريق العربيات، توجد بالقرب منها بئر تسمى بئر دودو وهي البئر الرئيسي للشرب بالمنطقة. من الأحداث المرتبطة بهذه الشجرة إقامة سرادق عزاء ضخمة عند وفاة زعيم الطريقة الختمية السيد علي الميرغني في 21 فبرائر 1968 الذي ينتمي لطريقته الدينية معظم سكان المنطقة. وكانت النساء يأتين بالرماد بكميات ضخمة (بالطشاتة) من بيوتهن ليضعنه على رؤسهن أثناء أدائهن لطقوس المناحة على مدى أيام العزاء التي استمرت لأيام عديدة. وبعد أن بدأ الذبول يظهر على الشجرة بعد تلك الحادثة تم للأسف قطعها. وما زال موضع وجودها كما كان معلما بارزاً.
لبخة بارا عرفت أيضاً بشجرة محكمة “زانوق”، وهي من أشهر محاكم السودان الأهلية. وزانوق هذا هو ناظر عموم دار حامد محمد تمساح سيماوي المشهور بحكم قوة شخصيته وقدرته الفائقة على فرض سلطته؛ إذ كان لا يحابي ولا يجامل في سبيل إحقاق الحقيقة ّ، وجاءت التسمية من واقع أنه “يزنق” المجرمين ويرغمهم على الاعتراف. يسع ظل الشجرة لعدد الفي شخص. تحت هذه الشجرة تم تحنيط جثمان سلطان الفور، السلطان تيراب، الذي حدثت وفاته في بارا مسموماً عندما كان عائداً من مطاردة السلطان هاشم ملك المسبعات. ومن الأحداث التاريخية الأخرى المشهودة التي شهدتها هذه الشجرة في عهد الحكم الثنائي تآمر الإتحاديين للقيام بإنزال العلم البريطاني من سارية مبنى الإدارة وحرقهً، تاركين العلم المصري دون مساس. وتعد القضية التي حدثت في العام 1911م ونتجت عنها مقولة (كسّار قلم مكميك) هي القضية الأشهر التي شهدتها هذه الشجرة. وأصل الحكاية أن بعض القبائل أحجمت عن دفع وتوريد ضريبة القطعان مما أدّى لمحاكمة الشيخ عبدالله ود جاد الله أحد مشائخ قبيلة الكواهلة. انعقدت المحكمة برئاسة المفتش الإنجليزي (ماك مايكل) وجاء الحكم في غير صالح الشيخ ود جادالله بتتبيعه وقبيلته لقبيلة الكبابيش، وعندما تناول المفتش (ماك مايكل) قلمه لكتابة حيثيات الحكم، ما كان من الشيخ ود جاد الله إلا أن أمسك بالقلم وكسره، فأصدر المفتش حكماً بأن تدق خوازيق في قدم الشيخ ود جاد الله (الذي أصبح يسمى بكسار قلم ماكميك) وأمر بأن يمشي أمام الناس (في رواية أخرى سلخ باطن قدميه). تقول الرواية أن جارية للشيخ ود جاد الله تسمى مستورة بت كوكو نادته بقولها (توري.. توري). فالتفت إليها قائلاً: (لعل تورك ما جابلو ضلعة) أي لعل ثورك ما تغيرت مشيته من الألم. فقالت له أبداً ثم تغنت فيه بقولها:
غنيت بجر النم.. يادقر الحرايق أصبحت كارف السم
عشميق الأصم
الليلة البلد يتباشروا ناسو يا بحر المحيط مين عبرو وقاسو
بريطان والترك ما لينوا راسو والعظم الكبير كسرو وشرب ساسو
يا عيد الضحية البفتحولو البيت رايو مكملو كسر قلم ماكميك
ومن الأغاني التي ارتبطت بلبخة بارا ومحكمة زانوق أغنية (الغالي تمر السوق.. كان قسموه ما بحوق.. زولاً سنونو بروق.. في محكمة زانوق). والمقصود بهذا الزول السيد أمين سيد أحمد قريش أحد كتاب المحكمة في ذلك الزمان والذي كان وسيماً في طلعته وهندامه وهيئته، وكانت له هيبته ومكانته في المحكمة، مما حدا بفتيات مدينة بارا صياغة هذه الأغنية وظللن يرددنها على الدوام.
شجرة الدرويش
شجرة سنط عتيقة ومعمرة بلغ عمرها حوالي ثلاثمائة عام تعرف بشجرة “درويش الزومة الما شرب متمومة” أي ما شرب مريسة (خمرة بلدية سودانية). كانت توجد هذه الشجرة في نواحي بلدة الزومة في الولاية الشمالية عند ساقية الدراويش. استخدمها الشيخ درويش خلوة لتعليم القران الكريم ومسجداً تؤدى فيه الصلوات ومقراً يأوي إليه. كانت هذه الشجرة بمثابة حرماً آمناً يترك في محيطها الناس أمتعتهم وحاجياتهم دون أن يجرؤ أحد على المساس بها أو التعدي عليها. زوت هذه الشجرة وجفت قبل بضعة سنوات فقطعت ولضخامتها بلغ إنتاج جذورها من الفحم 35 جوالَا.
أشجار السلطان تاج الدين: ثلاث أشجارعرديب جنوب غرب الجنينة إرتكز عندها السلطان تاج الدين وجيشه لقتال الفرنسيين في معركة كرندنق قبل مائة عام ونيف. وقد تمكن في تلك المعركة من إنزال أقسى هزيمة على جيوش الامبراطورية الفرنسية الغازية. لا زالت هذه الأشجار موجودة.
مهاجرية السلطان علي دينار: شجرة توجد جنوب وادي الطلبة وشمال غرب مدينة كاس قيل أن السلطان علي دينار إتكأ عليها عقب هزيمته من الجيش البريطاني الغازي في عام 1916م.
شجرة ود حبوبة: شجرة سنط توجد شرق قرية أبوشنيب وجنوب شرق قرية “التُقُر” موطن المجاهد عبد القادر ود حبوبة في منطقة الحلاويين ذبح فيها ود حبوبة “الخواجة” في منتصف عام 1908م. لا زالت هذه الشجرة موجودة.
الشجرة المخزن: تبلدية ضحمة توجد حالياً في مكانب الغابات بمدينة الكرمك بجنوب ولاية النيل الأزرق تستخدمها إدارة الغابات بالولاية في أغراض التخزين. كان يتم استخدامها إبان فترة الحرب كمخزن للمواد الغذائية حسب إفادات أهالي المنطقة. الشجرة عبارة عن غرفة كاملة من الداخل تحيط بها من الخارج شجرة متسلقة متشابكة تسمي الساردولة وكان لها باب وطبلة تغلق بها.
الشجرة الخزان: تبلدية عملاقة توجد في غابة الدودية الواقعة بقرية الرحيمة بولاية شمال كردفان. وسميت بالدودية نسبة للدود أي الأسد حيث كانت هذه الغابة في الماضي تعج بالأسود. تتكون التبلدية من غرفتين ولها نوافذ يتدفق من خلالها الهواء. كانت هذه التبلدية ولا زالت تستخدم كخزان ضخم للماء وسكنى للعباد والزهاد.
الشجرة الصينية: كان السلطان العظيم على دينار سلطان دارفور محباً للشجر مهتماً به، وكان قد وضع الأشجار حول مسجده ومقر حكمه تحت حمايته الشخصية، ومن بينها هذه الشجرة. وبزوال حكمه تعرضت معظم الأشجار في المنطقة للقطع إلا أن هذه الشجرة احتفظت بموقعها ولم تفلح محاولات إدارة الطرق والكباري في إزالتها، فجعلتها “صينية” تدور حولها السيارات في غدوها ومجيئها وذهابها.
الشجرة المشنقة: شجرة حراز معمرة بمنطقة لوني بسنار يفوق عمرها المائتي عام كانت تعقد تحتها المحاكم في عهد الإستعمار وتستخدم كمشنقة عند تنفيذ أحكام الإعدام شنقاً.
الشجرة الحصن: تبلدية ضخمة توجد حالياُ بمكتب الغابات بمدينة الروصيرص. كان الشرطي لويس باشا سعيد يستخدمها كمقرٍ لتدبيرِ عمليات المقاومةٍ في عام 1940م أثناء الحرب العالمية الثانية. فقد كان يعتلي الشجرة بواسطة سلم (موجود الآن بمحلية الروصيرص) يطلق منها النيران على الطيران الحربي الإيطالي الذي كان يعمل على التمهيد لقوات المحور. وكان يستخدم التجويف الكبير داخل جذعِ الشجرة كمخبأٍ يحتمي فيه عند الإغارة. وكان هذا التجويف يستخدم مخزناً للذخيرة كذلك.. لا زالت هذه الشجرة موجودة.
كانت تلك مقتطفات من كتابي “شدرة .. شدرتين.. وغابة”، الطبعة الثانية، الذي وثقت فيه لحوالي 80 شجرة من أشجار التراث السودانية.
الحقوق الأدبية للمصادر محفوظة في الكتاب.
تضرعاتي بحسن الخلاص، وتحياتي.
عبد العظيم ميرغني