الأعمدة

الاطاري السم في الدسم.  الباقر عكاشة عثمان

الاطاري السم في الدسم.

الباقر عكاشة عثمان

إذا توقفنا عند محطة الاتفاق الإطاري الذي قاد البلاد الى التهلكة وقرأنا بنوده قراءة سطحية فقد يبدو لنا أن فيه الكثير من الدسم السياسي من حديث عن الانتقال والحكم المدني وإعادة بناء الدولة لكن السم الذي تخلل ذلك الدسم لم يكن ظاهرا لكل المتابعين وإنما كان يحتاج إلى قراءة عميقة لما بين السطور وإلى معرفة دقيقة بتوازنات القوة العسكرية والأمنية ومآلاتهاوهنا تبرز أهمية الذين كانوا مؤتمنين على سيادة البلاد وأمنها وفي مقدمتهم قيادة القوات المسلحة والاستخبارات العسكرية فالمسألة بالنسبة لهم لم تكن نصوصا سياسية مجردة وإنما كانت ترتبط بسؤال أكبر إلى أين يمكن أن تقود تلك الترتيبات ميزان القوة داخل الدولة؟فالخطر في هذه القراءة لم يكن في منصب رئيس الوزراء أو في شكل الحكومة المدنية وحده وإنما في إمكانية أن تتحول الترتيبات السياسية إلى غطاء قانوني لإعادة تشكيل موازين القوة العسكرية بطريقة يصعب التراجع عنها لاحقا.

كانت قوات الدعم السريع قد راكمت خلال السنوات السابقة قوة عسكرية واقتصادية كبيرة وانتشرت في مواقع استراتيجيةوأصبحت تمتلك إمكانات تتجاوز في بعض جوانبها ما كان متاحا لكثير من مؤسسات الدولة العسكرية والامنية ومن هنا فإن أي اتفاق سياسي لا يضع بوضوح مسألة توحيد القوات النظامية تحت قيادة وطنية واحدة مع ضبط السلاح والتمويل والمطارات والمنشآت العسكرية كان يمكن أن يتحول من أداة للانتقال السياسي إلى مدخل لتعقيد عملية بناء الدولةوالأخطر من ذلك أن امتلاك أي قوة عسكرية مستقلة لمكونات القوة الجوية والمطارات العسكرية ووسائل الإسناد بعيدة المدى كان سيجعل الحديث عن تفكيكها أو دمجها لاحقا أكثر تعقيداً بكثير فالقوة التي تمتلك الأرض والمال والسلاح ووسائل الحركة والإسناد الجوي لا تصبح مجرد قوة موازية وإنما تتحول إلى مركز قوة يصعب إخضاعه للدولة بالوسائل السياسية وحدهاومن هنا يمكن فهم المخاوف التي أثيرت حول مستقبل السودان من قبل قادة الجيش إذا استمرت الترتيبات التي تسمح بتعدد مراكز القوة المسلحة فالدولة لا يمكن أن تستقر بوجود جيش رسمي وقوة عسكرية أخرى تمتلك قرارها ومواردها وانتشارها الخاص القضية إذن لم تكن فقط من يحكم السودان؟ وإنما كانت قبل ذلك من يمتلك القوة التي تحمي الدولة ومن يملك قرار استخدامها؟

وهذه هي النقطة التي ربما غابت عن كثيرين وهم يقرأون النصوص السياسية باعتبارها مجرد ترتيبات للمرحلة الانتقالية فالدساتير والاتفاقيات يمكن تعديلها والحكومات يمكن تغييرها لكن بناء قوة عسكرية مستقلة خارج منظومة الدولة قد يصنع واقعا جديدا يصعب تغييره ولهذا فإن قراءة تلك المرحلة يجب ألا تكون قراءة سياسية فقط بل قراءة أمنية وعسكرية واستراتيجية أيضا فبعض الأخطار لا تظهر في عنوان الاتفاق ولا في مقدمته وإنما تختبئ في التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو في لحظتها مجرد ترتيبات قانونية وإجرائية بينما تحمل في داخلها نتائج بعيدة المدى على سيادة الدولة ووحدة قرارها العسكري

إن الدرس الأهم الذي ينبغي أن نتعلمه من تلك المرحلة هو أن السلاح الموازي لا يمكن أن يكون شريكا للدولة إلى الأبد فإما أن يصبح جزءا من مؤسساتها الوطنية أو يتحول مع مرور الوقت إلى دولة داخل الدولة (حزب الله نموزجا)

والسودان بكل تعقيداته الاجتماعية والجغرافية وحدوده المفتوحة وتشابكات الإقليم لا يحتمل وجود مراكز عسكرية متعددة ذات قرارات مستقلة لأن خطرها لا يقف عند حدود الخرطوم وإنما يمكن أن يمتد إلى دول الجوار وإلى مجمل الإقليم

لذلك فإن حماية السودان لا تبدأ فقط من الاتفاقيات السياسية وإنما تبدأ من قاعدة واضحة جيش وطني واحد وقرار عسكري واحد وسلاح واحد تحت سلطة الدولة وموارد عسكرية لا تخضع إلا للمؤسسات الوطنية

أما ما عدا ذلك فقد يبدو في ظاهره دسما سياسيا لكنه قد يخفي في تفاصيله سما لا تظهر آثاره إلا بعد فوات الأوان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى