الأعمدة

(التحرير الاقتصادي) جريمة آنت محاكمة مرتكبيها د. محمد عبد القادر سبيل

(التحرير الاقتصادي) جريمة آنت محاكمة مرتكبيها

 

د. محمد عبد القادر سبيل

 

إنما الجرم جرم بآثاره وضرره. فأن يفطم الطفل قبل اوانه فليس ذلك جريمة عظمى، ولكن ان يفطم دون ان يستعاض بغذاء ويترك هكذا يصرخ حتى يموت فذلك من قبيل القتل العمد.

هذا بالضبط ما حدث للشعب السوداني الذي كان علاجه وتعليمه مجانا طوال الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات. ثم ألقي به إلى نار السوق والتهلكة بلا وجل او إشفاق، وبقرار مجاني استهتاري جسدته (سياسة التحرير الاقتصادي). ومن ثم بدأنا مشوار التدهور المريع والمتفاقم يوماً بعد يوم.

لا غرو إذا فقد الناس الأخلاق وهزل تعليمهم وابداعهم وباتت المصلحة المادية عقيدة وديناً، والفساد مهارة وشطارة وابتكاراً، فالفقر كائن جبار يفعل أكثر من ذلك، كيف لا والحاجة تدفع دفعاً إلى كل ما كانت النفس يوما تعافه وتستنكفه.

هل يرى احد ان هذا الفساد المستشري وفقدان الذمة والنزاهة وسط التجار وموظفي الجمارك والعمال بل والاطباء ورجال الشرطة والمحامين والسياسيين والصحافيين وكل مجالات حياتنا مبعثه شيء آخر سوى هذا العدو المبين: الفقر؟. كونه حالة حرمان شديد من الموارد الأساسية التي تضمن للفرد العيش الكريم.

لو كان الفقر رجلاً لقتلته، لماذا؟ لأنه الخصم والشيطان الاول لأي مجتمع ولأي عاقل كريم.

 

ومن عجائب هذا الوحش انه يمتلك قدرة التعدد والتجلي في صور عديدة حينما ينتشر ليطغى على سوح الحياة.

وفي بلادنا ضرب سرطان الفقر المجتمع برمته على أواسع نطاق منذ عام ١٩٩٢ حينما تم تبني (سياسة التحرير الاقتصادي) فأصاب الشعب الضعف والضمور وألقى هذا المارد بظلاله على كل مجال.

الإملاق جعل ٩٠% يعيش تحت خط الفقر الدولي ( الذي يعادل دولارين في اليوم) فلا تكاد تجد احداً من عامة الناس دخله الشهري المنتظم يتجاوز ما يعدل ٦٠ دولارا لينجو بأخلاقه من الفخ . ولذلك تكثر الامراض بسبب عجز جهاز المناعة عن الدفاع عن الجسم لشح الفايتمينات والمواد الغذائية التي تقويه وتنشط وظائفه. وحينما يكثر مرض المرء يضعف تفكيره ومعنوياته وسعيه وكسبه فيزداد فقرا ويظل يدور في هذه الحلقة المفرغة التي تورثه الخبال والتشاؤم والميل الى الحقد والعنف وارتكاب الجريمة.

لا تهتز لي قناة حين اعزو جل سلبيات المجتمع الى الحاجة والفقر. فالانخراط في المليشيات المتزايدة سببه الاساسي ليس وجود وجهة نظر فكرية او سياسية بقدرما هو طلب الارتزاق والبحث عن حل لمشكلة البطالة وشح الدخل الذي يوفر الحياة الكريمة.ثم تأتي المسوغات الاخرى.

ولو كان السودان مزدهرا اقتصاديا وفرص العمل متاحة والجنيه معافى مستقرا كما في الستينات والسبعينات لما استجار الناس من الرمضاء بالنار.

مبعث الفقر ومؤداه هو استئثار طبقة محدودة من الشعب بكل الثروة القومية بعد ان تخلت الدولة عن اهم مسؤولياتها وهي (اعادة توزيع الدخل) بعد امتلاك مصادره.

 

الدولة منذ ١٩٩٢ عام فرض سياسة التحرير الاقتصادي حكمت على هذا الشعب بالذل واباحت ارتكاب الفساد وسوء الخلق والتسول والعنف واللجوء الى المليشيات والهجرة اضطرارا فأحدهم لا يجد علاجاً مجانيا ككل الدول ولا تعليما مجانيا ككل الشعوب المحترمة ولا مسكنا ولا قدرة على الزواج ولا يجد وظيفة ولا راسمالاً يستثمره وبالتالي فلا يجد قوتا يقتات به فكيف يحافظ على اخلاقه وحسن سلوكه وهو الجاهل المريض المنبوذ. الضائع؟!.

كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول. وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.

سياسة التحرير الاقتصادي هي اهم جريمة سياسية في تاريخ السودان طبقت نظرية رأسمالية في غير موضعها وغير بيئتها ومجتمعها ومن المسؤول يعلم. ولذلك تصبح السياسة استهدافا لا اخلاقيا ولا مسؤولا ضد مجتمع كان افضل حالا بكثير مما اعتراه بعد هذا هذا التوجه الشيطاني المفسد.

إن مقتضى ولسان حال سياسة الخصخصة والتحرير الاقتصادي لم يكن سوى: مالي ومالكم. اذهبوا واقتاتوا من خشاش الارض وأنا احكمكم فحسب لست مسؤولا عن معاشكم ولا تعليمكم ولا صحتكم. (انطعم من لو يشاء الله اطعمه).. وأما مصادر الثروة فأملكها لمن يستحقها. انتم لا تستحقونها.

لا بل ألاحقكم واضيق عليكم خشاش الارض ولو حملتم ( درداقات) افرض عليكم الضرائب والزكاة والرسوم والعصا لمن عارضني وعصى.

وهكذا ضمر الاقتصاد وعجزت الدولة عن تمويل مرتباتها وتسيير عجلتها وعن تجنيد الجنود بنا يكفي لدحر اي عدوان وعجزت الشرطة عن الحصول على العربات والوقود للقيام بدورياتها وضعف الجنيه واضمحل لأن الدولة فقدت الايرادات العامة بعد أن نفضت يدها وهربت من مسؤولية الاصلاح

في الوقت الذي كانت الفرصة فيه سانحة للاعتماد على الذات وانشاء المشاريع العامة الجديدة وتطوير المتعثرة منها حيث كانت بشائر النفط تلوح عام ٩٢ بامتلاك الحكومة امتياز التنقيب من شركة شيفرون. ولكنهم أخلدوا إلى الأرض واستعجلوا فعل العكس، استسهالاً و(شطارة). فباعت حكومة السودان مشاريعها وشركاتها الفاشلة والناجحة، فطغى بذلك القطاع الخاص الانتهازي الذي صنعته الخصخصة وحرية السوق وباتت ثروة الشعب كلها بيد الراسمالية الطفيلية والحكومة بعد حين أضحت معدمة تتلفت وأصبح الجنيه ذاته فقيراً معدماً لا يقوى على شراء شيء فهل نلوم بعدئذ رجل الشرطة اذا حصل على رشوة او الطبيب إذا ألزم مريضه بما لا يلزم من الانفاق ونلوم المحامي اذا استنزف موكله او اتفق مع زميله ممثل الخصم؟ الحاجة جبارة والجوع كافر. اين يذهب الناس من العوز؟.

لذلك نقول: إن الذي يصر على استمرار سياسة التحرير الاقتصادي سيئة الذكر هذه إنما يصر على استمرار الحاجة وافتقار الشعب وبالتالي الفساد

ولابد ان هذا بحد ذاته صنف من الفقر اسميه الفقر السياسي والفكري.

انقذوا اخلاق المجتمع انقذوا العدل والتعليم والصحة بأن تعود الدولة فورا الى الاستثمارات العامة وتضع يدها على الثروة الوطنية والموارد الكبرى وفي مقدتها الذهب من اجل تحقيق عدالة توزيع الدخل عبر التنمية والتعليم الداخلي المجاني والعلاج الكامل المجاني واقامة المشاريع التي تتيح فرص العمل المجزي بما يقوي العملة الوطنية ويحقق استقرارها لأن إنهيار سعر العملة أُم المشكلات جميعا وثمرة اقتصاد السوق.

والله يهدي الى سواء السبيل

 

ملحوظة:

سياسة التحرير الاقتصادي جريمة كاملة الاركان وينبغي ان يحاكم كل من فرضها على الناس او تبناها لتفسد حياتهم من عند د.عبد الرحيم حمدي حتى د. حمدوك ود.ابراهيم بدوي ود.جبريل.

 

د. محمد عبد القادر سبيل

خبير اداري واقتصادي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى