
الجيش والدعم السريع
تأملات.. جمال عنقرة
.. أصل الأزمة ودروب الحل
لم تعد خافية علي أحد الأزمة المشتعلة بين الجيش السوداني، والدعم السريع، ولقد كتب كثيرون عن ذلك، ومع إحترامي لكل ما كتب، وتقديري لكل الذين كتبوا، إلا أن أكثر ما اطلعت عليه مما نشر وجدته منحازا إلى طرف من أطراف الأزمة، وفي كثير من الأحيان يكون الانحياز لعاطفة، أو مصلحة، أو لشيء في نفس من يكتب، وكثير منه يعمل علي إشعال نار المعركة. ولا أبرئ نفسي، ولا يمكن بالطبع أن أزعم أني علي مسافة واحدة من الطرفين، فهذا أمر لا يستقيم، ولن أقول قولا غير مستقيم، ولكنني اسعي لقراءة موضوعية للأحداث، وأرجو أن يعينني بعض ما أمتلك من معلومات، من بعض فضل الله تعالي للوصول إلى قراءة موضوعية، يمكن أن تعين علي نزع فتيل الأزمة وتردنا جميعا إلى ما فيه صلاح وفلاح بلدنا وشعبنا.
لقد اختصر السيد حميدتي الطريق في خطابه الأخير الذي قال فيه أنه ليست هناك معركة بين الدعم السريع وبين الجيش، وقال لقواته إذا صفعكم أحد من الجيش في خدكم الأيمن، أديروا له الخد الأيسر، في إشارة إلى عدم الاستجابة لأي استفزاز يمكن أن يدخلهم في معركة مع الجيش، لكنه حدد معركته بأنها مع المتمسكين بالسلطة في إشارة إلى قادة الجيش، وهنا مربط الفرس.
وحتى لا نسترسل كثيرا، ودون الدخول في مغالطات، دعونا نبدأ الحديث والقراءة من اندلاع الأحداث التي أدت إلى تغيير النظام السابق، وكما هو معلوم فإن اللجنة الأمنية الرباعية المكونة من وزير الدفاع ومدير جهاز المخابرات، ومدير الشرطة وقائد قوات الدعم السريع، هي التي اتخذت قرار الاستيلاء علي السلطة، وهي التي اطاحت بحكومة البشير، وكان قادتها هم أساس المجلس العسكري الأول بقيادة الفريق أول ركن عوض ابنعوف، وكما هو معروف فإن السيد حميدتي تمرد علي هذا المجلس، وكان هو السبب الأساسي في سقوط مجلس ابنعوف في أربع وعشرين ساعة فقط، وكان هو صاحب الأثر القوي في تشكيل المجلس الثاني، علي الأقل هو الذي تواثق مع السيد البرهان، وكان عهدهما علي أن يكون السيد البرهان رئيسا، وهو نائبا للرئيس، أما بقية الأعضاء من العسكريين، فلقد أتت بهم مواقعهم القيادية في القوات المسلحة قبل التغيير، وحتى هؤلاء كان له دور كبير في إسقاط غير المنسجمين معه، وبقي المجلس العسكري بعد ذلك متماسكا، وكانت مواقف أعضائه متقاربة إن لم نقل موحدة.
بداية اختلاف الرؤي والمواقف لم يكن لسبب محلي، ولكنه كان بفعل فاعل، وهنا أود أن أشير إلى حديث مهم قال به السيد حميدتي رمضان العام الماضي في الإفطار الذي نظمه في صالة دينار، وفي ذاك الإفطار أشار السيد حميدتي إلى دور مهم قام به الفنان المعروف الممثل علي مهدي نوري، وأشار إلى اجتماع مهم كان في بيته بالرياض، وكنت بعد هذه الإشارة قد افصحت عن بعض تفاصيل ذاك الإجتماع الذي كنت طرفا في ترتيبه، ولكن حان الأوان للحديث عن خبايا ذاك اللقاء وتداعياته، لا سيما وأنه سبب في كثير مما يجري الآن.
في الشهور الأولى للثورة، وعلي أيام التوتر الحاد بين المكونين العسكري والمدني، طلب السفيران السعودي علي بن حسن جعفر، والإماراتي حمد الجنيبي من السيد علي مهدي، تنظيم لقاء لهما مع السيد حميدتي في منزله بعيدا عن أعين الناس، ويشاركهم الإجتماع السفيران الأمريكي والبريطاني، وقبل أن يخطو السيد علي مهدي خطوة، أو يتخذ قرار، أتاني وأخبرني بطلب السفيرين، ومعلومة الصلات المتينة والمتداخلة بين وبين ابن عمي السيد علي مهدي نوري السيد عبد الكريم، ومما احفظه له أنه يستشيرني في كل صغيرة، اعتبارا لما بيننا، وبمظنة أني مهتما بالشان السياسي أكثر منه، فاقترحت عليه أن نعرض الأمر أولا علي العسكريين في المجلس العسكري، فذهبت فورا إلى الفريق أول ركن شمس الدين كباشي، وعرضت عليه الأمر، فقال لي بالنص “مافي مشكلة كلنا في المجلس حالة واحدة” وهم بالفعل كانوا في ذاك الوقت “حالة واحدة” وأذكر ذهبت قبل ذلك في أمرين مهمين للفريق كباشي، احالهما إلى السيد حميدتي، الأمر الأول عندما عرضنا عليه مبادرة الشيخ الياقوت، فقال لنا أفضل تقابلوا حميدتي لأنه ممسك بهذا الملف، واتصل بالسيد حميدتي، وحدد لنا موعدا ذهبنا له في القيادة العامة مع الأبناء الشيخ محمد الشيخ الياقوت، والدكتور ياسر عبد الله، والشريف خليل غانم، والمرة الثانية عندما صدر قرار تجميد الاتحادات والنقابات، ذهبت للفريق كباشي لتجميد القرار بشأن اتحاد العمال لما يقوم به من أدوار وطنية عظيمة، فاتصل الفريق كباشي بالسيد حميدتي، وحدد معه موعدا لرئيس اتحاد العمال المهندس يوسف علي عبد الكريم، فاستقبل الفريق أول حميدتي المهندس يوسف، واستمع له، وأجرى اللازم.
تم اللقاء في بيت السيد علي مهدي، في سرية تامة، وحضر اللقاء السفراء الأربعة والسيد الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي” ولم يحضر بالطبع صاحب الدار السيد علي مهدي الإجتماع، ولم يدر أحد ماذا دار فيه، ولكن هذا الإجتماع الذي مرت عليه أربع سنوات عجاف، كان هو الميلاد الأول للرباعية، ومنذ ذاك الإجتماع، صار قرار السودان بيد هؤلاء الأربعة، وهم الذين مكنوا لمجموعة مركزية الحرية والتغيير، ليكونوا أولياء للثورة دون غيرهم من مكونات السودان الأخري، الثورية وغير الثورية، ومنذ ذاك اليوم بدأت خطوات السيد حميدتي تتقارب معهم، ومع مكونات المركزية، وتتباعد عن خطوات رفقائه العسكريين في المجلس السيادي، بإستثناء السيد الرئيس الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، الذي ظل لفترة طويلة قريبا منه، ولكن يبدو أن لتباعد المسافة بين السيد حميدتي وبين قيادات الجيش العسكرية في المرحلة الأخيرة، إختار البرهان الوقوف مع رفقاء السلاح، فاطلق تصريحاته الأخيرة التي زادت المباعدة ليس بينه وبين السيد حميدتي وحده، ولكنها باعدت أيضا بين الجيش والدعم السريع.
ورغم أن كثيرين يظنون أن المسألة وصلت إلى طريق مسدود، وأن الصدام صار آت لا محال، والمسألة أصبحت مسألة وقت فقط، لكنني أكاد أري الحل قريبا، وأن كل الظروف تقود إلى تسوية ترضي الجميع.
فبالنسبة للاتفاق الإطاري الذي ترعاه الرباعية، ويقاتل السيد حميدتي من أجله للتمكين للثلاثي المتبقي من المركزية، قد فتحت له ورشة القاهرة طريقا آمنا، يحفظ لأهله ورعاتهم ماء وجوههم، ويحقق حلا آمنا للسودان والسودانيين جميعا، فورشة القاهرة، لم تتجاهل الإطاري، ولم تدع إلى تجاوزه، بل اعتبرته أساسا يبني عليه، ليستوعب ما غفله الإطاري، ويستوعب معه كل القوي الوطنية والثورية التي عزلها أهل المركزية الثلاثة، فلا يمكن أن تحدد مصير السودان ثلاثة أحزاب فقط من عشرات الأحزاب والقوي السياسية، وحركات الكفاح المسلح، وهم لا يبلغون ١٠% من سكان السودان.
وفضلا عن الدفع القوي الذي قدمته ورشة القاهرة للحل الآمن، وتجاوز معضلة الإطاري، فإن قوي الرباعية الراعية للاتفاق لم تعد علي قلب رجل واحد، ولم تعد نظرتها للسودان ذات النظرة القديمة، ومعلوم التباعد الذي حدث بين الدولتين العربيتين، السعودية والإمارات، ولعل أهم مظاهره بيان مجلس الإفتاء السعودي الأخير الرافض للديانة الإبراهيمية، التي ترعاها دولة الإمارات العربية المتحدة، ومعلوم أن اهتمام أمريكا بالشأن السوداني تربطه المصالح فقط، وهذا يباعد بينها وبين بريطانيا في هذا الملف، والأهم من هذا كله أن أكثر القوي الوطنية والثورية في السودان بمختلف توجهاتها واتجاهاتها صارت تبحث عن حل بالتراضي، وتري أن الحل بالأيدي أفضل من الحل بالأسنان، وأن الحل بالأسنان أفضل من القطع بالسكين، وأعتقد أن الأفضل للسيد حميدتي، والانسب لتاريخه، والأضمن لمستقبله، أن يدعم حل التراضي، وأن يعود إلى الأحضان الآمنة، وإلى رفقاء دربه، وشركاء مسيره، وقديما قال أهلنا “العرجاء لي مراحها”