الأخبار

الحلقة (17): الإسهام الكبير لمؤسسة البصر الخيرية العالمية ومستشفيات مكة لطب العيون في مكافحة العمى في السودان صفحات مضيئة من تاريخ مكافحة العمى في السودان بقلم: بروفيسور كمال هاشم

الحلقة (17): الإسهام الكبير لمؤسسة البصر الخيرية العالمية ومستشفيات مكة لطب العيون في مكافحة العمى في السودان

صفحات مضيئة من تاريخ مكافحة العمى في السودان

بقلم: بروفيسور كمال هاشم

مقدمة

تُمثّل تجربة مؤسسة البصر الخيرية العالمية ومستشفيات مكة لطب العيون في السودان إحدى التجارب البارزة في مجال مكافحة العمى وتوسيع فرص الحصول على خدمات طب العيون، ولا سيما للفئات محدودة الدخل وسكان المناطق التي تعاني نقصًا في الخدمات الصحية التخصصية. فمنذ بداية نشاط المؤسسة في السودان، جمعت جهودها بين إنشاء المستشفيات، وتنظيم المخيمات العلاجية، وإجراء عمليات إزالة الكتراكت، وتوفير النظارات، وتدريب الكوادر، وتنفيذ برامج صحة العيون المدرسية.

ولا تقتصر أهمية هذه التجربة على حجم الخدمات المقدمة، بل تشمل أيضًا إسهامها في توسيع نطاق الرعاية التخصصية خارج المراكز الحضرية، وتقريب العلاج من المرضى الذين تحول ظروفهم الاقتصادية أو الجغرافية دون الوصول إلى الخدمات.

من المخيمات العلاجية إلى إنشاء شبكة من مستشفيات العيون

تأسست مؤسسة البصر الخيرية العالمية في المملكة العربية السعودية عام 1989، وبدأ نشاطها في السودان عام 1993، وفقًا للمعلومات الصادرة عن المؤسسة. وانطلقت أعمالها من خلال المخيمات العلاجية، التي وفرت الكشف الطبي والعلاج وإجراء العمليات الجراحية للمرضى، مع اهتمام خاص بإزالة الكتراكت بوصفها أحد الأسباب المهمة لفقدان البصر القابل للعلاج.

ومع تطور نشاطها، اتجهت المؤسسة إلى إنشاء مستشفيات متخصصة في عدد من المدن السودانية. وشملت هذه المنشآت الخرطوم وأم درمان وبورتسودان ونيالا وود مدني، ثم توسعت خدماتها لتصل إلى مناطق أخرى، من بينها الدمازين وكسلا والأبيض وعطبرة. وقد ساعد هذا الانتشار على إتاحة خدمات طب العيون التخصصية لشرائح أوسع من السكان، وتقليل الحاجة إلى السفر لمسافات طويلة طلبًا للعلاج.

ومن أبرز محطات هذا التوسع إنشاء مجمع مكة لطب العيون بالخرطوم، الذي مثّل مركزًا رئيسيًا لتقديم الخدمات التخصصية والجراحية. وتوضح المعلومات الصادرة عن المؤسسة اتساع نطاق العمل في هذا المجمع وتعدد الخدمات التي يقدمها، بما يعكس أهمية المستشفيات الثابتة في استمرارية الرعاية، إلى جانب الدور الذي تؤديه المخيمات في الوصول إلى المناطق الأقل حظًا في الخدمات.

المخيمات العلاجية والوصول إلى المجتمعات الطرفية

احتلت المخيمات العلاجية موقعًا أساسيًا في نشاط المؤسسة بالسودان. فهي لا تقتصر على تقديم الكشف والعلاج في مواقع مؤقتة، بل تتيح الوصول إلى المرضى في المناطق البعيدة، وتساعد على اكتشاف الحالات التي تحتاج إلى تدخل جراحي أو متابعة تخصصية، ثم توجيهها إلى المرافق المناسبة.

وبحسب الإحصاءات الواردة في المعلومات التي أصدرتها المؤسسة حتى سبتمبر 2026، فقد نُظمت مئات المخيمات في السودان، واستفاد منها ملايين المرضى، وأُجريت خلالها أعداد كبيرة من عمليات إزالة الكتراكت وغيرها من جراحات العيون، إلى جانب توزيع النظارات الطبية. وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق العمل الخيري العلاجي، وأهمية المخيمات في تخفيف عبء أمراض العيون على المرضى وأسرهم.

وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة عندما تُنفذ بالتنسيق مع السلطات الصحية والجهات المحلية، بما يساعد على تحديد الاحتياجات، وإحالة الحالات التي تتطلب رعاية متقدمة، وربط الخدمات المؤقتة بالخدمات المستمرة في المستشفيات.

التعليم والتدريب وتوطين خدمات طب العيون

لم يقتصر نشاط المؤسسة على تقديم الخدمات العلاجية؛ فقد امتد إلى مجال إعداد الكوادر المساعدة في طب العيون من خلال إنشاء كلية مكة التقنية عام 2007، وفقًا للمعلومات الصادرة عن المؤسسة. وتقدم الكلية برامج في مجالات تشمل مساعدي طب العيون وتقانة العيون والبصريات، وهي تخصصات ضرورية لدعم فرق العمل وتوسيع القدرة على تقديم الخدمات.

ويمثل الاستثمار في التدريب جانبًا مهمًا من استدامة خدمات طب العيون؛ إذ لا يكفي إنشاء المستشفيات أو تنظيم المخيمات ما لم تتوافر كوادر مؤهلة تسهم في تشغيل المرافق، وإجراء الفحوصات، ومساندة الأطباء، وتقديم التثقيف الصحي للمرضى.

كما أن إعداد الكوادر داخل السودان يعزز فرص استمرار الخدمة، ويحد من الاعتماد على الاستعانة الخارجية، ويتيح بناء خبرات محلية يمكن توظيفها في المستشفيات والبرامج الصحية المختلفة.

الإسهام في تدريب أطباء العيون

امتد إسهام مؤسسة البصر الخيرية العالمية ومستشفيات مكة لطب العيون إلى تدريب أطباء العيون، من خلال التعاون مع المجلس القومي السوداني للتخصصات الطبية في مجال التدريب التخصصي. وقد أتاح هذا التعاون الاستفادة من الإمكانات السريرية والجراحية للمستشفيات التابعة للمؤسسة في تدريب الأطباء، وتعزيز خبراتهم العملية في تشخيص أمراض العيون وعلاجها، واكتساب المهارات اللازمة لممارسة التخصص.

وتكتسب هذه الشراكة أهمية خاصة في دعم برامج الدراسات العليا في طب العيون، وتوسيع فرص التدريب السريري والجراحي داخل السودان، والإسهام في إعداد اختصاصيين قادرين على تلبية الاحتياجات المتزايدة لخدمات العيون. وهي بذلك تكمل دور المؤسسة في تقديم الرعاية المباشرة، لتشمل أيضًا الاستثمار في بناء القدرات البشرية، وهو أحد المرتكزات الأساسية لاستدامة خدمات طب العيون ومكافحة العمى.

النشاط البحثي:

يستعرض تقرير مركز البحوث، المعتمد رسمياً من وزارة الصحة منذ تأسيسه عام 2011، مسيرة شاملة في البحث العلمي وأخلاقياته في مجال العيون عبر اعتماد لجنة أخلاقيات بحوث البصر (BIRB) والتنسيق الميداني مع الجهات الصحية؛ حيث حقق المركز إنجازات توثيقية وعلمية بارزة تمثلت في إطلاق “أطلس أمراض العيون” عام 2012 لبناء أرشيف صور سريرية تشخيصية، وتأسيس “المتحف العلمي” عام 2014 بجمع 4000 عينة طبية وفق بروتوكولات علمية وأخلاقية صارمة من مستشفى مكة بالخرطوم، فضلاً عن تعزيز الانتشار والتأثير الدولي عبر إصدار 8 أعداد من مجلته العلمية المحكمة (BIJO) وحصولها على اعتراف منظمة الصحة العالمية برتبة متقدمة (المرتبة 80).

صحة العيون المدرسية والوقاية من ضعف البصر

من المجالات المهمة الأخرى في عمل المؤسسة برامج صحة العيون المدرسية، التي تستهدف الكشف المبكر عن مشكلات الإبصار لدى التلاميذ، وتوفير النظارات للحالات التي تحتاج إليها، وإحالة الحالات التي تتطلب فحوصًا أو تدخلات تخصصية.

وتشير المعلومات الصادرة عن المؤسسة إلى تنفيذ هذه البرامج في عدد كبير من المدارس، وفحص أعداد كبيرة من التلاميذ والمعلمين، مع توزيع النظارات وتوفير الأدوية والإحالة للعلاج عند الضرورة.

وتتجاوز قيمة هذه البرامج علاج المشكلة البصرية الآنية؛ إذ إن اكتشاف ضعف الإبصار لدى الأطفال ومعالجته يمكن أن يسهم في تحسين التعلم والمشاركة المدرسية وجودة الحياة. كما أن دمج صحة العيون في خدمات الصحة المدرسية يتيح الوصول إلى الأطفال الذين قد لا تتمكن أسرهم من طلب الفحص والعلاج بصورة مستقلة.

دعم المرضى وتوسيع فرص الحصول على العلاج

يشكل الدعم الاجتماعي للمرضى غير القادرين جانبًا مكملًا للخدمات الطبية التي تقدمها المؤسسة. فكثيرًا ما لا يكون توفر الطبيب أو المستشفى وحده كافيًا لضمان العلاج؛ إذ قد تعوق تكاليف الفحوصات والعملية والانتقال والإقامة قدرة المريض على الوصول إلى الخدمة.

ومن ثم، فإن المساعدات التي توجه إلى المرضى محدودي الدخل تسهم في تقليل هذه العوائق، وتمنح فرصًا أفضل للعلاج واستعادة البصر. وتزداد أهمية هذا الدور في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها كثير من السودانيين، وفي ظل النزوح والاضطرابات التي أثرت في قدرة شرائح واسعة على الحصول على الرعاية الصحية.

وفي هذا السياق، فإن اتساع شبكة المستشفيات والمخيمات، إلى جانب الدعم الاجتماعي، يمنح تجربة المؤسسة بُعدًا يتجاوز تقديم الخدمة الطبية إلى تعزيز العدالة في الوصول إلى العلاج.

التصنيع المحلي ودعم الإمداد

يمثل إنشاء مصنع البصر، الذي تشير المعلومات الصادرة عن المؤسسة إلى افتتاحه عام 2024، خطوة نحو دعم الإمداد المرتبط بخدمات العيون. فالتوجه إلى التصنيع المحلي يمكن أن يسهم في توفير بعض المستلزمات وتقليل الاعتماد على الاستيراد، بحسب طبيعة المنتجات وقدرة الإنتاج على تلبية الاحتياجات. وتبرز أهمية هذا المسار في ظل التحديات التي تواجه سلاسل الإمداد الصحي.

المؤسسة ضمن المنظومة الوطنية لمكافحة العمى

على الرغم من الأهمية الكبرى لإسهام مؤسسة البصر الخيرية العالمية ومستشفيات مكة لطب العيون، فإن مكافحة العمى مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل جهود وزارة الصحة والبرامج الوطنية والمستشفيات الحكومية والخاصة والمنظمات الخيرية والمجتمعية.

وتزداد فاعلية الخدمات حين تُنسق المخيمات العلاجية مع الخطط الوطنية، وتُحدد المناطق والفئات الأكثر احتياجًا وفقًا للبيانات الصحية، وتُضمن متابعة المرضى بعد العلاج، وتُعزز برامج الوقاية والكشف المبكر والتأهيل البصري. كما أن توثيق النتائج ومراجعتها بصورة دورية يساعد على تحديد جوانب القوة والفجوات، وتحسين توزيع الموارد.

وقد ازدادت أهمية هذا التكامل مع ما تعرض له السودان من حرب ونزوح وتعطل للمرافق الصحية، الأمر الذي جعل المحافظة على خدمات العيون واستعادة ما تضرر منها تحديًا يتجاوز قدرة أي مؤسسة منفردة.

خاتمة

تقدم تجربة مؤسسة البصر الخيرية العالمية ومستشفيات مكة لطب العيون في السودان مثالًا مهمًا على دور المؤسسات الخيرية المتخصصة في توسيع خدمات طب العيون، من خلال الجمع بين المستشفيات الثابتة والمخيمات العلاجية، وتدريب الكوادر الطبية والفنية، وبرامج صحة العيون المدرسية، ودعم المرضى غير القادرين.

الأرقام الإجمالية الواردة في هذا المقال والصادرة عن المؤسسة، تعكس اتساع نشاطها عبر سنوات طويلة. وتبقى القيمة الأهم لهذه التجربة في أثرها الإنساني والصحي: تمكين أعداد كبيرة من المرضى من الوصول إلى خدمات لم يكن الحصول عليها متاحًا لهم بالسهولة نفسها، والإسهام في استعادة البصر وتحسين نوعية الحياة.

إن توثيق هذه التجربة وتقييمها ضمن مسار مكافحة العمى في السودان يتيحان تقدير إسهامها، كما يساعدان على استخلاص الدروس التي يمكن أن تدعم الشراكة بين الدولة والمؤسسات الخيرية والجهات الوطنية والدولية، من أجل خدمات عيون أكثر استدامة وعدالة في الوصول.

المراجع

1. مؤسسة البصر الخيرية العالمية. معلومات وتقارير مؤسسية عن أنشطة المؤسسة ومستشفيات مكة لطب العيون في السودان، وفق البيانات المقدمة من المؤسسة حتى سبتمبر 2026.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى