تأملات

السفير إدريس سليمان .. عام علي الرحيل

تأملات
جمال عنقرة

لم أكن أظن أن عاما كاملا قد مر علي رحيل اخي وصديقي الحبيب السفير إدريس سليمان يوسف حتى ذكرت لي قبل قليل ارملته الصابرة المحتسبة اللواء شرطة م دكتورة عفاف احمد ان اليوم السادس من أبريل يصادف الذكري الأولي لرحيل إدريس.
شهادتي في اخي إدريس ليست مجروحة، فصلتي معه تعود إلى ما يقارب نصف قرن من الزمان، هو كان طالبا في جامعة الخرطوم، وكنت ادرس في الجامعات المصرية، وكانت تجمعنا المناشط الطلابية في العطلات الصيفية، ولم تنقطع صلاتنا واتصالاتنا حتى قبل يوم واحد من رحيله المر، له الرحمة والمغفرة.
لقد كان إدريس سليمان مميزا في كل شئ، ومتفردا كذلك، ولم تطأ رجل إدريس موقعا إلا وترك فيه أكثر من بصمة، وله بصمة في كل من حوله، وفي هذا المقام اذكر فقط بعض بصماته المهمة، منها ما كنت شاهدا عليه، أو مشاركا فيه، ومنه ما يتعلق بي شخصيا، وابدا ببصمته المهمة في حياتي.
كما يعلم كثيرون انه بعد مفاصلة الاسلاميين الشهيرة في رمضان العام ١٩٩٩م، اني كنت من افعل وانشط الذين وقفوا مع الشيخ الراحل الدكتور حسن الترابي، وصرت هدفا للأجهزة الأمنية، ولأنني لم تكن لي علاقة بسلطة ولا حكومة، ولا اي مصالح او منافع حكومية يمكن أن يحرموني منها كما كانوا يفعلون مع كثيرين من الاخوة الشعبيين، حاولوا أن يسدوا علي كل أبواب الرزق، فتعرضت لمضايقات ومصادرات، ورسوم وضرائب ما انزل الله بها من سلطان، ومن غرائب ذلك أن الحكومة اصدرت قرارا بإغلاق مراكز الجامعات الولائية في العاصمة فقط لتغلق مركز جامعة الإمام المهدي في ام درمان الذي كان يتبع لنا، وكان به نحو خمسة آلاف من الطلاب، وكان يمثل اهم مصادر تمويل الجامعة، فلما اشتد علي الخناق خرجت من السودان، وكانت وجهتي الأولي مصر، وكان إدريس وقتها وزيرا مفوضا في السفارة في القاهرة، وكانت فكرتي الأولي، وقد لا تكون لدي فكرة غيرها في ذلك الوقت هي الإنضمام إلى حركة العدل والمساواة، والقتال في صفها بحثا عن العدل بعد تعرضت لظلم عظيم، وصلتي بالحركة قوية جدا، ومؤسسها الشهيد دكتور خليل كنت مشرفا عليهم عندما كانوا طلابا في جامعة الجزيرة، وارملته زينات علي يوسف كنت أيضا مشرفا عليهم عندما كن طالبات في جامعة ام درمان الإسلامية، ولما عملت معلمة في كلية المعلمات في مدني، عملت معي في مكتب المناشط، وكان لي دور في زواجهم الميمون، ولما اسررت بذلك لاخي إدريس يرحمه الله كان تعليقه “عمرك كله قضيته تدعو للسلام والوفاق، وفي اول امتحان شخصي تقول عايز تحمل السلاح” وفي تلك اللحظة فعلت ما فعله أصحاب رسول الله صلي الله عليه يوم أن نزلت اية تحريم الخمر الفاصلة، فقالوا جميعا “الآن انتهينا” واراقوا ما بين ايديهم من خمر، فارقت فكرة حمل السلاح تماما، وازددت سعيا لاقناع الحكومة والمعارضة المسلحة بضرورة الحوار، وكان إدريس يرحمه الله اكبر معين لي في ذلك.
أول قناة فتحناها معه للم الشمل الوطني كانت قناة حوار بين حركة العدل والمساواة وبين المؤتمر الوطني، وكانت برعاية قيادات الطرفين العليا، البروفيسور ابراهيم غندور الأمين السياسي للمؤتمر الوطني في ذاك الوقت، والشهيد الدكتور خليل إبراهيم رئيس الحركة، ومثل المؤتمر الوطني في تلك الحوارات الدكتور كمال حسن علي رئيس مكتب المؤتمر الوطني في القاهرة وشارك في جولات الحوار من الحركة المهندس ابو بكر حامد نور، واحمد ادم بخيت، واحمد حسين آدم، واحمد تقد لسان، والشهيد جمالي حسن جلال الدين، ومحمد شرف، ووصلنا حتى مرحلة كتابة مذكرة تفاهم شاركت في اعدادها مع الأخ المهندس ابو بكر حامد نور، وكان الشهيد خليل يتابع معنا اول بأول، ومن جانب الحكومة السفير إدريس سليمان ومن المؤتمر الوطنى من القاهرة الدكتور كمال حسن علي، وكان يتابع معنا السفير الشفيع احمد محمد من مسقط، ومن الخرطوم البروف غندور، وكنا قاب قوسين أو ادني من الوصول لاتفاق نهائي لولا تدخل بعض الجهات الأمنية التي قلبت طاولة الحوار، وكان ذلك قبل عملية ام درمان العسكرية في ٢٠٠٨م،
ومن بصمات السفير إدريس سليمان له الرحمة والمغفرة في فترة عمله في مصر، انه كان صاحب فكرة المدارس السودانية في مصر، وصاحب فكرة بيت السودان، وهو الذي بدا مشروع إعادة بناء السفارة في جاردن سيتي، ويحمد للدكتور كمال حسن علي انه أنجز ما بدأه السفير إدريس، الا ان الزمن لم يسعفه لإكمال مشروع بناء السفارة، وأعتقد أن الفرصة ستكون مواتية للسفير القادم سعادة الفريق اول ركن عماد عدوي، ولا بد أن نشير هنا إلى أن السفير إدريس هو اول من اضاف للمستشارية الثقافية في مصر النشاط الثقافي بجانب خدمة التعليم، وكنت شاهدا علي ذلك ومساهما فيه، وكان ذلك في عهد المستشار الثقافي الدكتور إبراهيم محمد آدم، ولا بد أن نذكر أن في عز التوتر بين الحكومة والمعارضة لا سيما حزب الأمة فتح إدريس سليمان السفارة للإمام الراحل السيد الصادق المهدي للحديث في ندوة عن التراضي الوطني.
ولما تم نقل السفير ادريس سليمان من مصر إلى لبنان رئيسا للبعثة الدبلوماسية هناك، دخل لبنان بمدحلها الثقافي، فعهد لي إقامة اسبوع ثقافي سوداني في لبنان كان هو الحدث السوداني الاشهر في لبنان، علي مدي علاقات البلدين، وشهد بذلك مسؤولون لبنانيون رفيعون، وشارك في هذا الوفد الثقافي نحو أربعين من القامات السودانية الثقافية والفنية والاعلامية، منهم الفنان علي مهدي، والتشكيليان حيدر إدريس وخالد حامد، والشاعران التيجاني الحاج موسي ونضال حسن الحاج، والمطربون شكر الله عز الدين وفهيمة عبد الله وود البكري، وفرقة تيرات المسرحية، ومن الإعلاميين والصحفيين حسن فضل المولي، والمرحوم حسن البطري والهندي عز الدين، وعبد العظيم صالح، وعلي حمدان، ونسرين النمر، ورندا اوشي، وعبد الباقي جبارة، والوجيه نجم الدين عوض، وكان لنائبه السفير الهادي صديق، وزوجته دكتورة عفاف دور كبير في نجاح الاسبوع الثقافي، وكانت السيدة رندا بري زوجة رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري هي ضيفة شرف حفل الختام.
ولما انقسم السودانيون أواخر عهد الإنقاذ بين “تسقط بس” وتقعد بس” كان إدريس سليمان من الفاعلين جدا في مجموعة الطريق الثالث التي كان من أشهر روادها السيد محمد الحسن الميرغني والسيد علي مهدي نوري والسفير علي يوسف والمهندس يوسف أحمد يوسف، والشيخ عبد القادر محمد زين، وشخصي الضعيف، واخرون.
تلك ملامح بسيطة جدا من بعض بصمات السفير إدريس سليمان التي لا تحصي ولا تعد، نسأل الله له الرحمة والمغفرة، وأن يجعل البركة في عقبه، ويحفظهم، ويوفقهم، ولا نقول إلا ما يرضي الله
إنا لله وإنا إليه راجعون

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى