الأعمدة

*السفير الذي ترك روحه في السودان* *السفير المصري هاني صلاح.. حين تكون الدبلوماسية قلبًا يمشي على الأرض* * عمر شيخ الدين*

*السفير الذي ترك روحه في السودان*

*السفير المصري هاني صلاح.. حين تكون الدبلوماسية قلبًا يمشي على الأرض*

* عمر شيخ الدين*

ليست الدبلوماسية، في أسمى معانيها، أوراقًا تُوقَّع، ولا كلماتٍ تُقال في قاعاتٍ مغلقة، ولا مواعيدَ تُسجَّل في دفاتر البروتوكول.

إنما هي، قبل ذلك كله، إنسانٌ يعرف كيف يقترب من الناس، وكيف يجعل من المسافة بين بلدين جسرًا من المودة، ومن الاختلاف بابًا إلى التفاهم.

 

ولعل هذا هو السر الذي جعل السفير المصري السابق لدى السودان هاني صلاح يترك، حين غادر الخرطوم، شيئًا منه فيها؛ كما ترك فيها السودان شيئًا منه.

 

ففي حفل وداعه، لم تكن كلماته الأخيرة كلمات دبلوماسي يغادر موقعه، وإنما كانت أقرب إلى اعتراف إنساني صادق، حين قال:

 

«سأترك جزءًا من قلبي وروحي في السودان.»

 

وما أصدق الكلمات حين تخرج من القلب فلا تحتاج إلى كثير من الزينة، ولا إلى كبير عناء في تفسيرها.

 

لقد كان هاني صلاح، خلال وجوده في السودان، سفيرًا لمصر، لكنه كان في الوقت نفسه وجهًا إنسانيًا لعلاقة أقدم من المناصب وأبقى من الأشخاص؛ علاقة شعبين شاء لهما التاريخ والجغرافيا والنيل أن يلتقيا في أكثر من طريق، وأن يكون بينهما من وشائج القرب ما يجعل الحديث عن مصر والسودان حديثًا عن مصير متداخل، ووشائج لا تنقطع، ومصالح مشتركة، وذاكرة واحدة في مواضع كثيرة.

 

كان قريبًا من السودانيين في أفراحهم وأتراحهم، حاضرًا حيث ينبغي أن يحضر السفير الذي يفهم أن مهمته ليست أن يمثل دولته أمام المسؤولين وحدهم، وإنما أن يعرف الناس الذين جاء إليهم، وأن يصغي إليهم، وأن يمد جسور التواصل معهم.

 

ولهذا أحبه كثير من السودانيين، كما بدا واضحًا أن الرجل أحب السودان وأهله.

 

وفي تفاصيل صغيرة ربما لا تظهر في البيانات الرسمية، تكمن أحيانًا حقيقة الدبلوماسي. فقد امتدت علاقاته ومبادراته إلى مرضى قصدوا مصر طلبًا للعلاج، وطلاب أرادوا أن يجدوا في مصر طريقًا إلى العلم، وأسرٍ احتاجت إلى من يسمع صوتها ويدلها على الطريق. وهي أفعال قد لا تُكتب في محاضر الاجتماعات، لكنها تبقى في ذاكرة أصحابها طويلًا.

 

وكان هاني صلاح صوتًا قويًا للدبلوماسية المصرية في السودان، وحاضرًا في الملفات والقضايا التي تمس مستقبل العلاقة بين البلدين، محافظًا على صورة الدبلوماسي الذي يعرف أن قوة الموقف لا تمنع دفء العلاقة، وأن الصراحة لا تعني الجفاء، وأن المصالح يمكن أن تُصان من غير أن تُغلق أبواب المودة.

 

ولعل الشكر هنا موصول إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي تؤكد مصادقته على اختيار أمثال لهاني صلاح لمواصلة مسؤولياته في ملف السودان أن هذا هو نموذج السفير الذي تُبنى به الجسور: قريب من الناس، عارفٌ بتعقيدات العلاقة، ومؤمنٌ بأن الدبلوماسية قبل أن تكون مواقف رسمية، هي في جوهرها محبةٌ وفهمٌ وحسنُ صلة.

 

وهو، في هذا، امتداد لمدرسة من السفراء المصريين الذين تركوا أثرًا في السودان، ومن بينهم حاتم باشات وأحمد عدلي، ممن عرفوا السودان عن قرب، وتعاملوا مع أهله بوصفهم جزءًا من عمق العلاقة المصرية السودانية لا مجرد جمهور لسفارة.

 

ولعل أجمل ما في مسيرة هاني صلاح أنه لم يغادر السودان تمامًا.

 

فقد عاد إلى ملف السودان من موقع جديد، بعد أن أصبح مساعدًا لوزير الخارجية المصري لشؤون دولتي السودان وجنوب السودان؛ وهي مسؤولية تضع بين يديه مساحة أوسع لخدمة علاقة تحتاج، في هذه المرحلة، إلى كثير من الحكمة، وحسن الإصغاء، والعمل الهادئ.

 

ومن يعرف الرجل، ويعرف طبيعة علاقاته بالسودانيين، يستطيع أن يفهم لماذا تبدو هذه العودة إلى الملف ذات معنى خاص.

 

فالسفير الذي عرف السودان من داخله، وعاش أفراحه وأحزانه، والتقى أهله في مناسباتهم المختلفة، سيكون أمام فرصة أكبر لأن يحمل إلى دوائر القرار صورةً أكثر قربًا وعمقًا عن هذا البلد وأهله.

 

ولذلك، فإن الأمل معقود على أن يكون وجوده في هذا الموقع إضافةً إلى الجهود الرامية إلى تطوير التعاون المصري السوداني، وتعزيز التواصل بين البلدين، وفتح نوافذ جديدة للعمل المشترك.

 

أما السودان، الذي قال عنه هاني صلاح إنه سيترك فيه جزءًا من قلبه وروحه، فلعله يقول له اليوم:

 

لقد تركتَ شيئًا من روحك هنا، يا سعادة السفير؛ لكنك أخذت معك، من غير أن تدري، شيئًا من أرواح أهله.

 

وهكذا تمضي الدبلوماسية حين تكون إنسانية قبل أن تكون وظيفة؛

يأتي السفير بجواز سفره، ويغادر بجواز آخر لا تكتبه وزارة الخارجية، وإنما تكتبه ذاكرة الناس.

 

وهاني صلاح، في ذاكرة كثير من السودانيين، لم يكن مجرد سفيرٍ غادر الخرطوم. بل رجلا أحب السودان، فأحبه السودان.

 

 

*عمر شيخ الدين*

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى