الأعمدة

السفير السعودي في السودان… وداع الدبلوماسية أم وداع النفوذ؟  كتب:محمدعثمان الرضي

السفير السعودي في السودان… وداع الدبلوماسية أم وداع النفوذ؟

كتب:محمدعثمان الرضي

◆ تتسابق هذه الأيام العديد من الهيئات والمؤسسات والمنظمات والجمعيات والشخصيات العامة في السودان لإقامة حفلات التكريم وفعاليات الوداع للسفير السعودي في السودان علي بن حسن بن جعفر بعد انتهاء فترة عمله الدبلوماسي التي امتدت لسنوات حافلة بالأحداث والتحولات السياسية المعقدة.

◆ هذا الحراك الكثيف حول وداع السفير السعودي لم يأتِ من فراغ، بل يعكس حجم الحضور والتأثير الذي صنعه الرجل داخل المشهد السوداني خلال فترة عمله بالسودان.

◆ كثير من الجهات التي تسعى اليوم لتكريمه كانت تربطها به علاقات متشابكة، بعضها في إطار العمل الرسمي المعلن، وبعضها الآخر ظل بعيداً عن الأضواء والكاميرات.

◆ هنالك مؤسسات بحكم طبيعة نشاطها وعلاقاتها المباشرة مع المملكة العربية السعودية تجد نفسها معنية بتكريم السفير باعتباره شريكاً أساسياً في ملفات التعاون المشترك بين البلدين.

◆ غير أن اللافت للنظر أن دائرة التكريم تجاوزت المؤسسات الرسمية لتشمل شخصيات سياسية ومجتمعية ورموزاً نافذة ظلت حاضرة بصورة دائمة في محيط السفير وتحركاته المختلفة.

◆ السفير السعودي لم يكن دبلوماسياً تقليدياً يمارس مهامه داخل حدود السفارة فقط، بل كان حاضراً بقوة في تفاصيل المشهد السوداني السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

◆ تحركاته الواسعة داخل السودان جعلته واحداً من أكثر السفراء نشاطاً وحضوراً، حيث زار مدناً ومناطق بعيدة لم تطأها أقدام كثير من المسؤولين السودانيين أنفسهم.

◆ امتلك السفير علاقات واسعة مع مختلف المكونات السياسية السودانية بمختلف اتجاهاتها الفكرية والسياسية، الأمر الذي منحه قدرة كبيرة على فهم تعقيدات المشهد الداخلي.

◆ قبل اندلاع الحرب في السودان، كان منزله بمنطقة كافوري في الخرطوم يمثل محطة دائمة لعدد كبير من السياسيين والقيادات المجتمعية والفعاليات العامة.

◆ تلك اللقاءات المتواصلة صنعت حالة من الجدل حول طبيعة الدور الذي يقوم به السفير وحدود التدخل المقبول دبلوماسياً داخل الشأن السوداني.

◆ عقب ثورة ديسمبر دخل السودان مرحلة سيولة أمنية وسياسية غير مسبوقة، وهو ما فتح المجال واسعاً أمام النشاط الإقليمي والدولي داخل البلاد بصورة ملحوظة.

◆ في تلك المرحلة أصبحت السفارات الأجنبية تلعب أدواراً متشابكة تجاوزت في بعض الأحيان العمل الدبلوماسي التقليدي إلى متابعة تفاصيل المشهد السياسي والأمني عن قرب.

◆ مراقبون اعتبروا أن ضعف مؤسسات الدولة خلال تلك الفترة أتاح مساحة واسعة لتحركات البعثات الأجنبية داخل السودان دون قيود واضحة أو رقابة فعالة.

◆ بعض الملفات الحساسة المرتبطة بالأمن والسياسة أصبحت محل تداول واسع وسط دوائر إقليمية ودولية، الأمر الذي أثار تساؤلات عديدة داخل الشارع السوداني.

◆ السفير السعودي بحكم ثقل بلاده الإقليمي والسياسي كان واحداً من أبرز الشخصيات الدبلوماسية المؤثرة في تلك المرحلة المضطربة من تاريخ السودان.

◆ علاقاته الواسعة مع أطراف متعددة منحته مساحة حركة كبيرة جعلته قادراً على التواصل مع الجميع دون استثناء تقريباً.

◆ وعلى الرغم من أن المملكة العربية السعودية ظلت تلعب أدواراً مهمة في دعم السودان إنسانياً وسياسياً، إلا أن الجدل ظل مستمراً حول طبيعة بعض التحركات الدبلوماسية داخل البلاد.

◆ كثيرون يرون أن الاحتفاء الكبير بالسفير لا يرتبط فقط بنجاحه الدبلوماسي، وإنما أيضاً بحجم المصالح والعلاقات التي تشكلت خلال سنوات وجوده في السودان.

◆ بعض الشخصيات التي تقود حملات التكريم تدرك أن علاقتها بالسفير كانت مدخلاً مهماً لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية خلال السنوات الماضية.

◆ لذلك فإن مشهد الوداع الحالي يحمل في طياته رسائل متعددة تتجاوز المجاملات البروتوكولية المعتادة في مثل هذه المناسبات.

◆ الرسالة الأبرز تبدو وكأنها موجهة للسفير القادم، ومفادها أن هنالك مجموعات وشخصيات تعتبر نفسها صاحبة النفوذ والتأثير داخل المشهد السوداني.

◆ هذه المجموعات تريد أن تؤكد أنها مازالت تمثل مفاتيح العبور لأي دبلوماسي أجنبي يسعى لفهم الواقع السوداني أو بناء علاقات مؤثرة داخله.

◆ غير أن الواقع السوداني المعقد لا يمكن اختزاله في مجموعة محدودة من الأشخاص مهما بلغ حجم نفوذهم أو تأثيرهم السياسي والاجتماعي.

◆ السودان ظل عبر تاريخه بلداً مفتوحاً للتأثيرات الإقليمية والدولية بحكم موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه مع محيطه العربي والإفريقي.

◆ ولذلك فإن نجاح أي سفير أجنبي في السودان يظل مرتبطاً بقدرته على تحقيق التوازن بين المصالح المشتركة واحترام السيادة الوطنية وعدم تجاوز الأعراف الدبلوماسية.

◆ الدبلوماسية الناجحة لا تُقاس فقط بحجم العلاقات واللقاءات، وإنما أيضاً بمدى الالتزام بالمسافات الآمنة التي تحفظ للدول هيبتها واستقلال قرارها الوطني.

◆ المرحلة الحالية التي يمر بها السودان تتطلب إعادة تقييم شاملة لطبيعة العلاقة بين المؤسسات الرسمية والبعثات الأجنبية المختلفة.

◆ كما تتطلب تعزيز قدرات الدولة الرقابية والسيادية حتى لا تتحول الفوضى السياسية والأمنية إلى بوابة مفتوحة أمام التدخلات الخارجية بمختلف أشكالها.

◆ السودانيون اليوم أكثر وعياً بحجم التحديات التي تواجه بلادهم، وأكثر إدراكاً لخطورة اختراق مؤسسات الدولة تحت أي غطاء سياسي أو دبلوماسي.

◆ وبين وداع السفير السعودي واستقبال سفير جديد تبقى الحقيقة الأهم أن السودان أكبر من الأشخاص والمصالح، وأن سيادة الدول لا ينبغي أن تخضع للمجاملات أو موازين النفوذ الخفية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى