مقالات

السفير كمال علي عثمان.. حين يصبح التنحي امتحاناً للوفاء

بقلم: محمد عثمان الرضي

انتابتني مشاعر متباينة، امتزج فيها الفرح بالحزن، حين بلغني نبأ شراء حكومة السودان مبنى جديداً ليكون مقراً دائماً للقنصلية العامة لجمهورية السودان بمدينة جدة، بالمملكة العربية السعودية.

◆ كان الفرح كبيراً؛ لأن حلماً ظل يراود السودانيين سنوات طويلة خرج أخيراً من دائرة التمنيات إلى رحاب الواقع، وأصبح للقنصلية السودانية بجدة مقر مملوك يليق بمكانتها، ويعكس حضور السودان وهيبته في واحدة من أهم المدن التي تحتضن أعداداً كبيرة من أبناء الوطن.

◆ غير أن فرحة اكتمال الحلم لم تكن كاملة؛ إذ تزامن الخبر مع إعلان القنصل العام لجمهورية السودان بجدة، السفير كمال علي عثمان، تنحيه عن موقعه وتفرغه للعلاج، بعد رحلة طويلة من العمل والعطاء.

◆ وبين فرحة المقر الجديد وحزن الابتعاد المؤقت عن رجل ارتبط اسمه بالعمل الدبلوماسي والإنساني، وجدت نفسي أمام مشهد تختلط فيه مشاعر الاعتزاز بالوفاء، والدعاء بالأمل.

◆ السفير كمال علي عثمان ليس اسماً عابراً في سجل الدبلوماسية السودانية، بل هو واحد من الكفاءات النادرة التي اكتسبت احترام رؤسائها وتقدير مرؤوسيها، واحتفظت بمكانتها عبر العمل الجاد والسلوك الرفيع.

◆ عرفه الناس شعلة من النشاط، لا يهدأ ولا يكل، يفتح أبواب مكتبه قبل أن يبدأ النهار، ويظل مشغولاً بقضايا المواطنين والبعثات والضيوف حتى ساعات متأخرة من الليل.

◆ كان يعمل بإخلاص يفوق حدود الوظيفة، ويمنح واجبه من وقته وجهده وصحته، حتى أصبح العمل عنده رسالة، وأصبحت خدمة السودان والسودانيين جزءاً أصيلاً من حياته.

◆ لكن الجسد، مهما اشتدت عزيمته، له حقه، وقد أثقل المرض كاهل السفير كمال في الفترة الماضية، فاضطر إلى التنقل بين عدد من العواصم الأوروبية بحثاً عن العلاج والاستشفاء.

◆ ومع ذلك، لم يكن في رحلته وحيداً؛ فقد لازمته دعوات محبيه وأصدقائه ومريديه، وارتفعت له أكف كثيرة في ظهر الغيب، تسأل الله أن يمن عليه بالشفاء والعافية.

◆ وما أعظم الدعاء حين يخرج من قلب صادق، وما أرجى أثره حين يرفعه المحبون دون انتظار مقابل، فدعوات الخير تفتح أبواب الرجاء.

◆ نسأل الله أن يلبس السفير كمال ثوب الصحة والعافية، وأن يعيده إلى أهله ومحبيه ووطنه معافى، قادراً على مواصلة رسالته التي لم يعرف فيها التردد أو التراجع.

◆ أما امتلاك مقر دائم للقنصلية السودانية بجدة، فقد كان واحداً من الأحلام المؤجلة، ومن الأشواق التي ظلت مكتومة في صدور العاملين بالدبلوماسية وأبناء الجالية السودانية.

◆ ظل الجميع يتطلعون إلى يوم يصبح فيه للقنصلية مقر مملوك، يخفف الأعباء المالية، ويحفظ المال العام، ويؤسس لوجود دبلوماسي أكثر استقراراً واستدامة.

◆ واليوم، وبعد أن اكتمل هذا الصرح وأصبح الحلم حقيقة، يحق للسودانيين أن يفرحوا بهذا الإنجاز، وأن ينظروا إليه باعتباره خطوة مهمة في مسار تطوير العمل القنصلي.

◆ غير أن المشهد يظل ناقصاً في الوجدان؛ لأن الرجل الذي عاش تفاصيل هذا الحلم، وأسهم في تحويله إلى واقع، اختار أن يتنحى مؤقتاً ليمنح صحته حقها، ويتفرغ للعلاج.

◆ وربما كان التنحي في مثل هذه الظروف قراراً تفرضه الضرورة، لكنه لا يعني نهاية المشوار، ولا يغلق أبواب العطاء أمام رجل ظل يحمل السودان في قلبه أينما حل.

◆ فالبلاد ما زالت تخوض حرباً قاسية، وكل موقع من مواقع العمل الوطني يمثل ثغرة تحتاج إلى من يحرسها، وكل مسؤول يؤدي واجبه بإخلاص يشارك، بطريقته، في حماية الوطن.

◆ والسفير كمال كان ولا يزال يحمل بندقيته الدبلوماسية، ويحرس ثغراً لا يقل أهمية عن الثغور التي يحرسها الجنود في ميادين القتال.

◆ فالدبلوماسية في زمن الحرب ليست عملاً بروتوكولياً، بل جبهة دفاع عن مصالح البلاد، وحماية لصورتها، وخدمة لمواطنيها، وتثبيت لحضورها بين الأمم.

◆ وفي هذه اللحظة، تحضرني واقعة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، حين أعلن تنحيه عن السلطة، فخرجت الجماهير في مشهد تاريخي تهتف مطالبة إياه بعدم التنحي.

◆ واليوم، ومن باب المحبة والتقدير، ومن دون أن نقلل من حق السفير كمال في العلاج والراحة، نقول له بلهجتنا السودانية الصادقة: «أحا.. أحا.. لا تتنحى».

◆ نقولها لا اعتراضاً على العلاج، ولا إنكاراً لحق الجسد، وإنما تعبيراً عن حاجة الوطن إلى أمثال كمال علي عثمان، وإلى خبراتهم وتاريخهم وعلاقاتهم وقدرتهم على العطاء.

◆ وللسفير كمال وجه آخر لا يعرفه كثيرون إلا من طرقوا باب منزله بمدينة جدة، فوجدوا فيه بيتاً سودانياً مفتوحاً قبل أن يكون مسكناً لسفير.

◆ فقد استطاع، بعقليته العملية وروحه الكريمة، أن يخفف أعباء الإقامة الفندقية عن كبار المسؤولين والوفود السودانية التي تزور أرض الحرمين الشريفين.

◆ وأنشأ داخل منزله شققاً مهيأة لاستقبال الضيوف، فصارت مكاناً للضيافة والإقامة، ووفرت على الدولة أموالاً كان يمكن أن تنفق على الفنادق.

◆ لم يكن ذلك مجرد ترتيب إداري أو تدبير مالي، بل كان نموذجاً عملياً في حسن إدارة الموارد، وإعلاء قيمة الكرم السوداني، وتقديم المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية.

◆ ومع مرور الأيام، تحول منزل السفير كمال إلى قبلة للسودانيين، وإلى محطة يجد فيها القادم من الوطن وجهاً مألوفاً، وكلمة طيبة، وباباً لا يُغلق في وجه محتاج.

◆ ولم تكن الأسرة بعيدة عن هذه الرسالة؛ فقد تفرغ أفرادها، وعلى رأسهم حرمه المصون، لخدمة الضيوف واستقبال القادمين، حتى أصبح البيت أشبه بتكية سودانية عامرة.

◆ كان المنزل يؤدي دوراً اجتماعياً وإنسانياً يذكرنا بالمسيد والخلوة في السودان؛ مكانٌ للضيافة، وملاذٌ للمحتاج، وساحةٌ يلتقي فيها الناس على المحبة والتكافل.

◆ لذلك، فإن السفير كمال علي عثمان لا يغادر موقعاً فحسب، بل يترك وراءه سيرة من العمل الدبلوماسي، والعطاء الإنساني، والوفاء للسودان وأهله؛ وسيظل الدعاء له قائماً: شفاك الله يا كمال، وأطال في عمرك، وأعادك إلى ميادين العطاء، فالمشوار لم ينتهِ، والوطن ما زال يحتاج إلى رجاله.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى