
بريق أمل
هنادي عوض بشير
يمر السودان بمنعطف حاسم ومرحلة شديدة الحساسية بعد الحرب التي شنتها مليشيات الدعم السريع، والتي خلّفت دمارًا واسعًا في الأرواح والممتلكات، وأطاحت بالبنية التحتية والمالية للدولة. ومع انحسار العمليات العسكرية، تدخل البلاد مرحلة إعادة البناء الاقتصادي، وهي مرحلة لا تقل تعقيدًا عن الحرب نفسها، وتحتاج إلى قيادة متمرسة وخبرة عميقة.
يشبه الوضع الاقتصادي الراهن عملية جراحية دقيقة؛ فالبلاد تواجه إرثًا ثقيلًا من الانهيار المالي تمثل في نهب البنوك، وسكّ غير مشروع للعملة، واحتراق قواعد بيانات مصرفية، وتراجع ثقة المواطنين في الجهاز المصرفي. في هذا السياق، أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، قرارًا بإعفاء السيد برعي الصديق من منصبه كمحافظ لبنك السودان المركزي، وتعيين السيدة آمنة ميرغني حسن التوم الطويل خلفًا له، لتكون أول امرأة في تاريخ السودان تتولى هذا المنصب الحساس المعروف بـ “أبو البنوك”.
هذا القرار جاء ضمن حزمة لإعادة هيكلة مؤسسات اقتصادية حيوية، ووجّهت الجهات المختصة بتنفيذه فورًا، لضمان انتقال سلس يحافظ على استقرار الجهاز المصرفي.
آمنة ميرغني تحمل سيرة مهنية ثرية؛ فقد تخرجت في جامعة الخرطوم عام 1985، ونالت الماجستير في المحاسبة والتمويل من جامعة الجزيرة عام 1997. التحقت ببنك السودان المركزي عام 1986، وعملت في معظم إداراته حتى 2020، وكان آخر مناصبها مدير عام إدارة الأسواق المالية. كما تولت إدارة مطابع العملة حتى 2023، ثم عملت مساعدًا للمدير العام بمصرف الساحل والصحراء. هذه الخبرة التنفيذية والمصرفية تمنحها معرفة عميقة ببنية الجهاز المالي من الداخل.
وتواجه المحافظ الجديدة تحديات جسيمة، أبرزها غياب التناغم بين السياسات المالية والنقدية خلال السنوات الماضية، ما أدى إلى انفلات سعر الصرف وتدهور قيمة الجنيه السوداني. ورغم أن قرار احتكار البنك المركزي لصادر الذهب شكّل مؤشرًا على رغبة الدولة في استعادة زمام المبادرة النقدية، فإن الطريق لا يزال طويلاً أمام إصلاح شامل يعيد الثقة ويحفز الإنتاج.
تتسلم آمنة ميرغني مهامها وسط واقع اقتصادي هش، لكن سجلها المهني المتميز يجعل الأنظار تتجه إليها بتوقعات كبيرة. فإما أن تنجح في إعادة الانسجام بين المؤسسات المالية والنقدية وبناء سياسة نقدية رشيدة، أو تتعمق الأزمة أكثر.
ورغم صعوبة المشهد، فإن السودان يمتلك مقومات نهوض حقيقية من موارد طبيعية ضخمة وموقع استراتيجي مهم. وإذا حُسنت الإدارة واستُثمرت الكفاءات الوطنية، يمكن للاقتصاد أن يتعافى ويستعيد عافيته تدريجيًا.