
الشول… حين غيَّرت كلمةٌ واحدة مسار أربعين عامًا من العطاء
لا أزال أذكر ذلك اليوم من منتصف ثمانينيات القرن الماضي. كنت آنذاك رئيسًا لفرعية بانت وحي الضباط باتحاد الشباب السوداني. كُلِّفت بمهمة استدعت بقائي خارج منزل الأسرة ثلاثة أيام متواصلة، وكنت أقيم في بيت النمل، وهو منزل بالموردة استأجره الزميل فرانسوا عزيز إيليا، وكان ملتقىً لأهل الفكر والنشطاء من شعراء، ونقاد، وتشكيليين، وكتّاب، من بينهم: القدال، ومحجوب أبو زر الغفاري، وحميد، ومحمد عبد الخالق، وعبد المنعم رحمة الله، وسامي سالم، وأنور ود الحوش، وعباس حسن، وأزهري، وعادل أحمد طه، وعبد الرحمن كرز، وسي محمود.
وبينما كنت منهمكًا في كتابة التقرير الخاص بالمهمة، سمعت طرقًا قويًا على الباب، وصوت امرأة جهوريًا تقول:
“وينو المجنون ده يا فرانسوا؟”
فسأل سامي سالم، الذي لم يكن يعرفها:
“منو المرأة دي يا فرانسوا؟”
فضحك فرانسوا وقال مازحًا:
“دي الشول، والدة الدكتور أبشر”، مشيرًا إليَّ.
فقالت الشول:
“لقد عرفنا جن ناس حوش عباس، لكن زي جنكم ده ما شفنا!”
ثم التفتت إليّ وقالت:
“وين يا ولد؟ ليك تلاتة أيام ما جيت البيت.”
أخبرتها أنني مكلف بمهمة استدعت بقائي خارج المنزل، فجاء ردها الذي لم أكن أعلم يومها أنه سيغيّر مسار حياتي:
“اسمع يا وليد… إنت كان داير تنفع الناس، انفعهم بالطب ده، وخلي البتعمل فيهو دا.”
وهنا تدخل الشاعر الكبير حميد مبتسمًا وقال:
“يا حاجة الشول… يعني يعمل شنو؟”
فأجابته دون تردد:
“بدل الجري في الفارغة والمقدودة دي، ناس اتحاد الشباب ديل ما يعملوا ليهم عيادة يشوفوا فيها الناس الغلابة؟”
عندها قال قدال:
“دي فكرة جميلة.”
وفي تلك اللحظة اتفق قدال وأنور على أن تُقام أول عيادة خيرية يوم الجمعة التالية.
وبالفعل، انطلقت أول عيادة من بيت النمل، لتبدأ في مدرسة إبراهيم سوميت، حيث استمرت عدة سنوات، ثم انتقلت إلى مسجد البر بحي الضباط، وبعدها إلى مسجد الشيخ محمد الخير بالفتيحاب، حيث واصلت رسالتها سنوات طويلة، قبل أن تستقر أخيرًا في مركز صحي بانت شرق.
ومع مرور الزمن، تطورت هذه العيادة الصغيرة حتى أصبحت مركزًا متخصصًا في علاج أمراض الجهاز العصبي، وعلى رأسها مرضى الصرع. وخلال أكثر من ثلاثين عامًا، استقبلت ما يقارب 300 ألف مريض، ونظمت عيادات خيرية دورية في مدن عديدة، منها: مدني، وسنار، وسنجة، وعطبرة، والأبيض، وكوستي، ونيالا، والجزيرة أبا، وأبو حمد، والدويم، والمناقل، وتمبول، ومروي.
ولم يقتصر دورها على تقديم العلاج، بل أصبحت مدرسة حقيقية لتدريب طلاب الطب، والأطباء العموميين، ونواب الاختصاصيين، واختصاصيي الأعصاب والباطنية والطب النفسي. كما تحولت إلى مركز بحثي رائد، خرجت منه مئات الأوراق العلمية المنشورة في أشهر المجلات الطبية المحكمة، وأصبحت حاضنة لطلاب الماجستير والدكتوراه، الذين انتشروا اليوم في مختلف أنحاء العالم. وشارك باحثوها في مئات المؤتمرات المحلية والإقليمية والعالمية.
وتقديرًا لصاحبة الفكرة الأولى، أُنشئ صرح يحمل اسم “الشول”، يضم قاعة محاضرات مجهزة بأحدث الوسائل، تُقام فيها المحاضرات العلمية في أمراض الباطنة والمخ والأعصاب، كما يُعقد فيها الاجتماع الأسبوعي لمناقشة مشاريع البحوث الطبية.
رحم الله الشول رحمة واسعة، فقد كانت صاحبة بصيرة نافذة، ورؤية سبقت زمانها. بكلمات بسيطة صادقة، أطلقت فكرة تحولت إلى مشروع إنساني وعلمي امتد أثره لعقود، وخفف معاناة مئات الآلاف من المرضى، وأسهم في إعداد أجيال من الأطباء والباحثين.
سلامٌ على روحها في عليين، والتحية في ذكراها لكل الأمهات المناضلات اللاتي يصنعن التغيير بصمت، ويزرعن الخير دون أن ينتظرن جزاءً أو شكورًا.
د ابشر حسين