
الصمت
روشتة في بريد الاسرة
اختصاصي الصحة/ اسماء قسم الله
في عالم الطب، الصمت ليس دائماً علامة على السلامة؛ قد يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة. هكذا يبدأ “السعال الديكي”، العدو القديم الذي يعود اليوم ليختبر وعينا الصحي وقوة أنظمتنا الوقائية إنه ليست “سعلة” عابرة، بل هو معركة صامتة تبدأ داخل الرئتين وتنتهي أحياناً بنهايات مأساوية إذا لم ندرك أبعاده الحقيقية، يبدأ السعال الديكي بـ “خديعة بيولوجية”. في أيامه الأولى، لا يظهر المرض بشراسته المعهودة، يبدأ بأعراض تشبه الزكام العادي (رشح خفيف وحمى بسيطة). هذا “التنكر” هو ما يمنح بكتيريا البوردتيلا الوقت الكافي للاستيطان في القصبات الهوائية وإفراز سمومها التي تشل الشعيرات التنفسية، ليتحول الصمت فجأة إلى نوبات سعال تشنجية تمزق الصدر وتمنع استنشاق الحياة فصوت “الشهيق” القاسي الذي يلي السعال، وازرقاق وجه الرضيع، يزرعان حالة من الهلع النفسي. هذا الرهاب خوف عابر و هو إنذار للأهل بمدى عجزهم أمام مرض كان من الممكن تفاديه بقطرات من اللقاح.
العدوى العابرة للبيوت، السعال الديكي مرض “اجتماعي” بامتياز؛ فهو لا يستأذن للدخول. ينتقل عبر الرذاذ في تجمعات العائلات، والحضانات، والمدارس وتكمن خطورته في أن البالغين قد يحملون البكتيريا بأعراض طفيفة، لكنهم ينقلونها كـ “قنبلة موقوتة” للرضع الذين لم يكملوا دورة تطعيمهم بعد، مما يجعل حماية الفرد مسؤولية جماعية تبدأ من البيت وتنتشر في المجتمع ويدفع فاتورة الإهمال الصحي من منظور التنمية المستدامة، يمثل انتشار الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات استنزافاً للموارد البشرية والاقتصادية. كل حالة إصابة تعني أياماً من الغياب المدرسي، وضغطاً على المرافق الصحية، وفقداناً لإنتاجية الوالدين إن الاستثمار في التوعية والتحصين هو استثمار في “رأس المال البشري” وحماية لمستقبل الدولة الصحي،(التطعيم كدرع استراتيجي) هنا يكمن الحل؛ فالتطعيم ليس إجراءً روتينياً فحسب فهو “درع استراتيجي” إن الالتزام باللقاح الثلاثي أو الخماسي، والحرص على الجرعات التنشيطية، وتوعية الأمهات الحوامل بضرورة أخذ اللقاح لحماية مواليدهن، هي الخطوات الحقيقية لتحويل هذا “القاتل الصامت” إلى ذكرى من الماضي. الوقاية هي اللغة الوحيدة التي تفهمها البكتيريا،معا نحو مجتمع محصن بالنظر للمستقبل، يتطلب القضاء على السعال الديكي رؤية استشرافية تعتمد على “الإعلام الصحي الرقمي” والوصول للمناطق البعيدة. يجب ألا ننتظر وقوع الجائحة لنتحرك، بل يجب بناء وعي مجتمعي استباقي يجعل من الثقافة الصحية جزءاً من الهوية الوطنية. المستقبل الصحي يُبنى بالوعي، والوعي يبدأ بالمعلومة الصحيحة.
خاتمة:
إن السعال الديكي “قاتل صامت” فقط عندما نختار الصمت واللامبالاة. أما بالوعي، والتكاتف الاجتماعي، والالتزام بالتحصين، فإننا نمنح أطفالنا الحق في التنفس بعمق وأمان. فهل نحن مستعدون لنكون الصوت الذي يكسر صمت هذا المرض؟
ودمتم ذخرا للوطن