
الطابور الخامس في زمن الحرب.. بين كشف المتعاون وحماية البريء
نقطة سطر جديد
إخلاص محمدابراهيم
بعد اندلاع الحرب في السودان، أصبح مصطلح «الطابور الخامس» متداولاً على نطاق واسع، وأصبحنا نسمعه في الأحاديث السياسية والإعلامية، وعلى منصات التواصل الاجتماعي. لكن هل يعرف الجميع معنى هذا المصطلح؟ ومن أين جاء؟ ولماذا سُمّي «الطابور الخامس»؟ ومن هو الشخص الذي يمكن أن نطلق عليه هذه الصفة؟ وكيف يمكن اكتشافه ومحاسبته؟
والأهم من ذلك: هل كل من يُتهم بالتعاون مع العدو يصبح تلقائياً «طابوراً خامساً»؟
هذه الأسئلة أصبحت أكثر أهمية في السودان، خصوصاً مع انتشار ظاهرة الاتهامات والبلاغات التي قد تصل إلى حد القبض على أشخاص لمجرد الاشتباه أو الوشاية.
ما هو الطابور الخامس؟
الطابور الخامس هو مصطلح سياسي وعسكري يُطلق على أفراد أو جماعات يعملون من داخل مجتمع أو دولة لمصلحة عدو أو خصم، بصورة سرية أو متعمدة، من خلال تقديم المعلومات أو المساعدة أو القيام بأعمال تؤدي إلى إضعاف الطرف الذي ينتمون إليه.
وقد تشمل هذه الأعمال التجسس، وتسريب المعلومات السرية، والتخريب، وتقديم الدعم للعدو، أو نشر التضليل والشائعات بصورة متعمدة لخدمة أهدافه.
ولا يرتبط الطابور الخامس بجنس معين أو وظيفة محددة؛ فقد يكون رجلاً أو امرأة، موظفاً في الدولة أو عاملاً في القطاع الخاص، أو شخصاً لا يعمل في أي مؤسسة. العبرة بالفعل الذي يقوم به والجهة التي يخدم مصالحها، وليس بصفته الاجتماعية أو السياسية.
من أين جاء اسم «الطابور الخامس»؟
يرتبط أصل المصطلح بالحرب الأهلية الإسبانية التي اندلعت عام ١٩٣٦م، ويُنسب إلى الجنرال الإسباني إميليو مولا استخدامه في سياق الحديث عن وجود مؤيدين لقواته داخل مدريد، بالتزامن مع تقدم أربعة أرتال عسكرية نحو العاصمة. ومن هنا انتشر تعبير «الطابور الخامس» للدلالة على أنصار الخصم الموجودين في الداخل.
ومع مرور الزمن، أصبح المصطلح يُستخدم في الحروب والصراعات السياسية لوصف من يعملون من الداخل لمصلحة جهة معادية.
هل كل متعاون مع العدو طابور خامس؟
إذا كان المقصود بـ«التعاون» هو تقديم مساعدة متعمدة لجهة معادية، بقصد الإضرار بالطرف الآخر، وثبت ذلك بالأدلة، فإن هذا السلوك يدخل في جوهر مفهوم الطابور الخامس.
لكن يجب أن ننتبه إلى كلمة مهمة جداً: «ثبت».
فمجرد اتهام شخص بأنه متعاون لا يعني أنه كذلك، ومجرد وجود اتصال أو معرفة أو علاقة اجتماعية مع شخص ينتمي إلى الطرف الآخر لا يعني بالضرورة وجود تعاون.
وهنا تظهر أخطر مشكلة يمكن أن تواجه المجتمع السوداني في زمن الحرب: الوشاية والاتهامات الكيدية.
فإذا أصبح بإمكان أي شخص أن يذهب إلى الشرطة أو إلى جهة أمنية ويقول: «فلان متعاون مع التمرد»، ثم يُقبض على الشخص قبل التحقق من صحة الاتهام، فإن الأمر يتحول من حماية الدولة إلى خطر على المجتمع.
قد يكون البلاغ صحيحاً ويقود إلى كشف متعاون حقيقي، وقد يكون كاذباً سببه خلاف شخصي أو سياسي أو قبلي.
لذلك يجب أن يكون التحقيق هو الفيصل، وليس البلاغ وحده.
كيف نكتشف الطابور الخامس؟
لا يمكن اكتشافه بالشكوك أو المظهر أو الانتماء السياسي أو القبلي، وإنما من خلال الأدلة والتحقيقات.
فإذا اتُّهم شخص بتسريب معلومات، يجب معرفة ما الذي سرّبه، ولمن، وكيف، وما الهدف من ذلك. وإذا اتُّهم بالتعاون مع جهة معادية، فيجب إثبات طبيعة هذا التعاون وما ترتب عليه.
أما مجرد قول شخص: «أنا متأكد أنه طابور خامس»، فلا يمكن أن يكون دليلاً.
وكيف تتم محاسبته؟
إذا أثبت التحقيق تورط شخص في جريمة تجسس أو تخريب أو تعاون غير مشروع مع جهة معادية، فيجب أن تتم محاسبته وفق القانون، مع ضمان حقه في الدفاع.
وفي المقابل، يجب أيضاً محاسبة من يتعمد تقديم بلاغ كاذب أو تلفيق تهمة خطيرة لإنسان بريء.
فكما أن الخيانة جريمة خطيرة، فإن الظلم جريمة لا تقل خطورة على المجتمع.
كلمة أخيرة
نحن في السودان نعيش حرباً قاسية أضعفت الثقة بين الناس، ولذلك فإننا بحاجة إلى اليقظة، ولكننا بحاجة أيضاً إلى العدل والتثبت.
نريد أن نكشف الطابور الخامس الحقيقي، ونحاسب كل من يثبت أنه يعمل لمصلحة جهة معادية، لكننا لا نريد أن يتحول مصطلح «الطابور الخامس» إلى سلاح لتصفية الحسابات أو إسكات الرأي المختلف.
فالمعارضة ليست خيانة، والنقد ليس عمالة، والمطالبة بالسلام ليست تعاوناً مع العدو.
الطابور الخامس يُعرف بالأفعال والأدلة، لا بالوشاية والاتهامات.
حماية الوطن لا تعني فقط كشف من يتعاون مع العدو، وإنما تعني أيضاً حماية الأبرياء من تهمة التعاون.
#الطابور_الخامس
#السودان
#السودان_أولاً
#لا_للتخوين
#لا_للبلاغات_الكيدية
#العدالة
#القانون_فوق_الجميع