مقالات

القيمة القانونية الاستدلالية لتحفظ دولة الامارات العربية على إختصاص محكمة العدل الدولية المنصوص عليه في المادة التاسعة من اتفاقية منع الابادة الجماعية والمعاقبة عليها لسنة 1948م


بقلم :فريق شرطة(حقوقي)
د. الطيب عبدالجليل حسين محمود
المحاي استشاري القانون والموثق

الحوارات ومناقشات فقهاء القانون الدولي، بشأن اختصاص محكمة العدل الدولية المنصوص عليه في المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لسنة 1948م، ومن ثم، حيثييات حكم محكمة العدل الدولية الإفتائي باختصاص محكمة العدل في الفصل والبت القضائي والقانوني في الدعوى المرفوعة من دولة جنوب أفريقيا (طرف ثالث) ضد إسرائيل بشأن الحرب الدائرة من إسرائيل(طرف أول) والواقعة عملياتها العسكرية على الفلسطينين في إقليم قطاع غزة التابع للسلطة الفلسطينية (طرف ثاني)، وكذلك احكام قضائية أخرى مماثلة صدرت من محكمة العدل الدولية في دعاوى شبيهة لدعوى جمهورية السودان ضد الامارات العربية المقامة أمام محكمة العدل الدولية في هولندا (لاهاي).
برأي تلك الحوارات والمناقشات والحكم الصادر من محكمة العدل الدولية لها قيمة قانونية وتشريعية في تطوير القانون الدولي فيما يتعلق بحالات إنعقاد الاختصاص لمحكمة العدل الدولية في الدعوى المقامة من دولة جمهورية السودان المرفوعة أمام محكمة العدل ضد دولة الأمارات العربية المتحدة.
ودونما إيجاز وإسهاب مخل، نحاول إستعراض وتناول الدفع القانوني من اسرائيل بعدم اختصاص محكمة العدل الدولية المقرر تشريعا بموجب أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لسنة 1948م، لتقديم اسرائيل دفع عدم اختصاص المحكمة الدولية في النظر، بدعوى انتهاكها الاتفاقية بحسب ادعاءات دولة جنوب أفريقيا المقدم ضد اسرائيل، والتي(أي دولة جنوب افريقيا) كانت قد تقدمت كذلك بالتماس إلى محكمة العدل الدولية لإصدار تدابير مؤقتة(تدابير وقتية)، بأن تأمر المحكمة إسرائيل بأمر فوري بتعليق ووقف عمليات هجماتها العسكرية على الفلسطينيين في قطاع غزة على الفور. وفصلا في نظر الدعوى وطلب إصدار الأمر الوقتي الفوري، استمعت محكمة العدل على مدى يومين لمبررات دولة جنوب أفريقيا لرفع القضية، ورد إسرائيل على ذلك.
وجاءت مذكرة الدفاع من الجانب الإسرائيلي في مرافعته أمام المحكمة، أن جنوب أفريقيا ليست طرفاً بالنزاع القائم بينها وبين الفلسطينيين، وعلى هذا الأساس بنى حجته بأنها(أي دولة جنوب أفريقيا) ليست الطرف صاحب الحق برفع الدعوى ضدها أمام المحكمة. وأن عدم وجود دليل كاف على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، أساس لأمر واقع يجرد المحكمة من الاختصاص والأهلية لنظر الدعوى كلية برمتها.
وإزاء الدفوع القانونية لاختصاص محكمة العدل الدولية، حوارات ونقاشات فقهاء القانون الدولي، أشاروا أن محكمة العدل الدولية هي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة. وأن محكمة العدل الدولية هي الجهة القضائية التي تتولى الفصل في النزاعات القانونية التي تنشأ بين الدول، وتقديم آراء استشارية بشأن المسائل القانونية التي قد تحيلها إليها الدول أو أجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.
وأن اختصاص محكمة العدل الدولية يشمل التعامل مع القضايا التي تطرأ في إطار القانون الدولي، سواء كانت ذات طابع فردي أو طابع دولي، حيث يمكن للدول الأعضاء في الأمم المتحدة تقديم دعاوى أمام المحكمة، والطلب منها حسم النزاعات بينها، كما يمكن أيضاً أن تعقد جلسات للاستماع إلى قضايا غير دعوى تقدمها الدول(يقدمها أفراد من غير الدول) للحصول على استشارة قانونية.
وأنه من ضمن اختصاص محكمة العدل الدولية، النظر في القضايا الخلافية التي ترفع من دولة ضد أخرى، بحسب شروط اختصاصها، وذلك باعتبار محكمة العدل هي المرجع القضائي للنظر في تفسير وتطبيق وتنفيذ المعاهدات الدولية الاتفاقية، وإصدار قرار وأوامر فيما يختص بمخالفة دولة أخرى للاتفاقية، وذلك نظرا فيما إذا كانت المخالفة تلحق ضرراً مباشراً بالدولة المشتكية المدعية، أو تلحق ضرراً عاماً بالمصلحة العامة الدولية للمجتمعات، كمثلما يتعلق باتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. وعليه، فيما بتعلق بالدعوى من دولة جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، هو الذي أقدمت عليه دولة جنوب أفريقيا لأنها وإسرائيل أطراف في اتفاقية منع الابادة الجماعية والمعاقبة عليها.
وعلاوة على ما تقدم، جدليات حوارات ومناقشات فقهاء القانون الدولي عن اختصاص محكمة العدل الدولية للنظر والبت في النزاعات بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، تلك الحوارات تستشهد بنص المادة 36 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، إذ أنها تنص على شروط ثلاثة يجب توفر إحداها لكي يكون للمحكمة صلاحية النظر في الدعوى المقامة أمامها، بحسب الشروط الثلاثة، وهي؛ (1) موافقة الدولتين على إحالة القضية إليها، أو; (2) أن تكون الدولة المدعى عليها قد تقدمت بموافقة مسبقة بصلاحية المحكمة، أو; (3) وجود اتفاقية دولية تحدد اختصاص محكمة العدل الدولية في حال وجود نزاع متعلق في تفسير وتطبيق وتنفيذ المعاهدات والاتفاقيات.
وفي الدعوى التي رفعتها دولة جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد اسرائيل، لا يتوفر، الشرط الأول الذي تنص عليه المادة 36 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، لعدم موافقة إسرائيل على إحالة القضية أمامها. كما أن الشرط الثاني غير متوفر، لأن إسرائيل عام 1985م سحبت موافقتها المسبقة بصلاحية محكمة العدل الدولية. أما الشرط الثالث، فهو متوفر من خلال معاهدة منع ارتكاب جريمة إبادة الجنس البشري المعروفة بالإبادة الجماعية، وذلك استناداً إلى المادة التاسعة منها. وحيث تنص المادة التاسعة من الاتفاقية على أنه:(تعرض على محكمة العدل الدولية، بناء على طلب أي من الأطراف المتنازعة، النزاعات التي تنشأ بين الأطراف المتعاقدة بشأن تفسير أو تطبيق أو تنفيذ الاتفاقية، بما في ذلك النزاعات المتصلة بمسئولية دولة ما عن إبادة جماعية أو عن أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة المتصلة بتعريف جريمة الابادة الجماعية. وأنه لطالما أن إسرائيل طرفاً في هذه المعاهدة دون التحفظ على هذه المادة، يعني ذلك أنه يحق لدولة جنوب أفريقيا رفع دعوى ضد إسرائيل. وأنه تبعا للطلب المقدم من دولة جنوب افريقيا، طلبها من المحكمة أن تتخذ المحكمة أوامر وقتية، باصدار قرار لوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة ضد الفلسطينين، فإنه من حيث القانون الطلب يستند على نص المادة 41 من النظام الاساسي لمحكمة العدل الدولية، التي تنص على أنه للمحكمة أن تقرر التدابير المؤقتة التي يجب اتخاذها لحفظ حق كل من الأطراف وذلك متى رأت الظروف تقتضي بذلك.
وبناء عليه، النظر في اختصاص محكمة العدل الدولية، هي المرحلة الثانية في القضية المرفوعة امام المحكمة، إذ أن محكمة العدل هي التي ستطلب من اطراف الدعوى أمامها(أي دولة جنوب أفريقيا وإسرائيل)، أن يتقدما أمام المحكمة بموقفهما القانوني. وطبقا عليه، المحكمة هي من تقرر إن كانت المحكمة صالحة للنظر في القضية من عدمه.
وكانت إسرائيل قد استندت في دفعها بعدم اختصاص محكمة العدل على عدم وجود ما يثبت وقوع خلاف رسمي بينها وبين دولة جنوب أفريقيا قبل توجه دولة جنوب افريقيا إلى تحريك دعوى ضدها. وتوضيحا لهذه الجزئية من الدفع، إسرائيل لم تتخذ موقفاً رسمياً تجاه دولة جنوب أفريقيا فيما يتعلق بالمذكرة الدبلوماسية التي وجهتها دولة جنوب افريقيا في ديسمبر 2024م إلى سفارة إسرائيل قبل أن يتم إغلاقها في دولة جنوب افريقيا، إذ أن دولة جنوب أفريقيا طلبت في مذكرتها الدبلوماسية من اسرائيل وقف عمليات الهجمات العسكرية على الفلسطينيين في قطاع غزة، ومعربة دولة جنوب افريقيا عن انزعاجها الشديد من الانتهاكات العسكرية الاسرائيلية والتصريحات والتقارير الرسمية والحيادية ذات المصدقية التي تشير إلى وجود إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.
وكانت إسرائيل قد أشارت لهذه النقطة، لأن المادة التاسعة من اتفاقية الإبادة الجماعية هي التي تعطي الولاية لمحكمة العدل الدولية، حيث تنص على أنه حين تنشأ خلافات بين دول الأطراف حول تفسير أو تنفيذ أو تطبيق الاتفاقية، فإنه يمكن للدولة المعنية أن تلجأ لهذه المحكمة(أي محكمة العدل الدولية). ولكن واقعا، دفع إسرائيل كان ضعيف جداً، لاعتبار أن دولة جنوب أفريقيا أظهرت في شكواها لمحكمة العدل، أن الخلاف تمثل بامتناع إسرائيل عن الرد على الجواب المرسل لها بالرد على وقائع موضوع مذكرة الشكوى، وهذا من جهة، واستمرار اسرائيل في انتهاكاتها بحق الفلسطينيين في قطاع غزة من جهة أخرى، والتي عبّرت صراحة إسرائيل عن اعتراضها في المذكرة الدبلوماسية من جنوب أفريقيا لاسرائيل، بما خلص إلى وقوع الخلاف الثابت بينهما. بالتالي، لا حاجة إلى أن يقرّ الطرف الآخر به، والذي وجد سنداً لهذه العناصر(بعدم الرد الدبلوماسي).
وإحالة لحوارات ومناقشات فقهاء القانون الدولي، يجادلون على أن عمل محكمة العدل الدولية يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة، وتحديداً الفصل 14 منه، والذي ينص على إنشاء محكمة العدل، ويحدد صلاحياتها. وبناء عليه، يمكن للدول الأعضاء في الأمم المتحدة، اللجوء إلى المحكمة لحل النزاعات الدولية، والحصول على قرار قانوني غير ملزم، يعبر عن الحقوق والالتزامات القانونية للدول المعنية.
وخلاصة ما إنتهت إليه حوارات ومناقشات فقهاء القانون الدولي بشأن اختصاص محكمة العدل الدولية بالنظر والبت في النزاعات الدولية بين الدول والأشخاص، فإنه للبحث في الدعاوى المقدمة إلى محكمة العدل الدولية، يمكن الرجوع إلى مصادر قانونية رئيسية، تشمل ميثاق الأمم المتحدة والنصوص القانونية الدولية الأخرى ذات الصلة، ولاسيما أن الأمم المتحدة هي المؤسسة الرئيسية التي تنظم محكمة العدل الدولية وفقا للنظام الاساسي للمحكمة. وبالتالي، يكون ميثاق الأمم المتحدة هو النص الأساسي الذي يحدد صلاحيات وإطار عمل محكمة العدل الدولية. لأن ميثاق الأمم المتحدة يحتوي على فصل يتعلق بمحكمة العدل الدولية، وتحديداً المواد 92 إلى 96 منه. وتبعا لهذا السياق، يمكن الرجوع إلى الفقرة الثالثة من المادة 36 في ميثاق الامم المتحدة، التي تنص على حق الدول الأعضاء في اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، بالإضافة إلى ذلك، يمكن البحث في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بالنزاع المحدد الّتي تعطي صلاحية النظر في أي نزاع إلى محكمة العدل الدولية.
وأما فيما يتعلق بالاختصاص المرتبط بإتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها لسنة 1948م، والدفع القانوني في الدعوى من دولة جنوب افريقيا ضد إسرائيل، وفيما كان خاصاً وينطبق على حرب قطاع غزة التابعة سيادتها للسلطة الفلسطينية، المادة السادسة من اتفاقية منع جريمة الإبادةالجماعية والمعاقبةعليها، بحسب المادة أنها تنص على أنه يتحاكم الأشخاص المتهمون بارتكاب الإبادة الجماعية أو أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة (تعريف جريمة الابادة الجماعية)، بتقديم المتهمين أمام محكمة مختصة من محاكم الدولة التي ارتكب الفعل على أرضها، أو أمام محكمة جزائية دولية تكون ذات اختصاص إزاء من يكون من الأطراف المتعاقدة قد اعترف بولايتها القضائية. كما أنه وطبقا لنص المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها، والتي تنص على أن الأفراد الذين يرتكبون جريمة الإبادة الجماعية يخضعون للاختصاص الشخصي العالمي، ويمكن تقديمهم إلى أي سلطة تكون قادرة على القبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة. وإذ تعرّف اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، الإبادة الجماعية بأنها:(أفعال مرتكبة على قصد التدمير الكلي، أو الجزئي لجماعة قومية ،أو عرقية أو عنصرية أو دينية. ولذلك، محكمة العدل الدولية هي الجهة المختصة، في التحقيق في الحرب من اسرائيل الدائرة في قطاع غزة الفلسطينية، نظراً للأدلة المتزايدة التي تشير إلى أن تصرفات إسرائيل(العضو في إتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها) وسلوكها القتالي تجاه المدنيين الفلسطينيين وآخرين حملة جنسيات وجوازات غير فلسطينية مقيمين ناشئين في قطاع غزة، أنها واقعات لأدلة وبينات تشكل حجة مقنعة لمحكمة العدل الدولية، بخرق إسرائيل المادتين الثانية والثالثة من(اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948. وكما تعنى هذه المخالفات بانتهاك مبادئ حقوق الإنسان والقوانين الدولية، وبالتالي يتطلب ذلك تحقيقاً دقيقاً لتحديد المسئوليات، واتخاذ الإجراءات اللازمة بموجب القوانين الدولية المعمول بها. ولاسيما أن إسرائيل تنفي تماما ارتكابها إبادة جماعية في قطاع غزة الفلسطيني، بزريعة حجج أن عمليات حملة اسرائيل العسكرية تهدف إلى القضاء على مجموعة حماس السياسية التنظيم، التي تحكم قطاع غزة الفلسطيني منذ عام 2007م. وكانت حماس قد شنت هجوما على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023م، وكان قد أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص في داخل الكيان الإسرائيلي المحتل لأراضي فلسطين، وأن أغلب الضحايا مدنيون وبينهم نساء وأطفال. فيما أسفر القصف الإسرائيلي المتواصل منذ ذلك التاريخ(07 اكتوبر 2023م)، والمصحوب بتوغل عسكري بري انطلق من اسرائيل تجاه قطاع غزة في 27 أكتوبر 2023م، وأسفر عن مقتل نحو 34 ألف شخص ويزيد، معظمهم من النساء والأطفال، وفق تقارير رسمية معلن عنها من السلطات الصحية الغزاوية ومن جهات دولية محايدة ذات مصداقية.
وحيث الأمر والواقع السردي للحرب من اسرائيل على الفلسطينيين في قطاع غزة، فإن الاختصاص المرتبط باتفاقية منع الإبادة الجماعية هو اختصاص خاص. أي بمعنى آخر، أنه يشمل فقط الدول الموقعة على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها دون غيرها، وحيث عدد الدول الموقعة 153 دولة بينها دولة جنوب أفريقيا وإسرائيل وعدد 16 دولة عربية من بينها فلسطين. ومنبهة الوقائع السردية للحرب في قطاع غزة من اسرائيل على الفلسطينيين، إلى أن اختصاص محكمة العدل الدولية على انتهاكات إسرائيل ثابت، بصفتها دولة طرف موافقة على اتفاقية منع الإبادة الجماعية، وأن اسرائيل لم تتحفظ على المادة التاسعة من ذات الاتفاقية. وبالتالي، دعوى دولة جنوب أفريقيا تدخل ضمن اختصاص محكمة العدل الدولية. وذلك، بناء على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية التي صادقت عليها إسرائيل عام 1949م، والتي تنص على أن واجب الدول الأطراف فيها، لا يقتصر على عدم ارتكاب جرم الإبادة الجماعية، وإنما كذلك العمل على منع الآخرين من ارتكابه. وعملاً بذلك، تسعى دولة جنوب أفريقيا من خلال الدعوى التي رفعتها منع إسرائيل من اقتراف تلك الجريمة.
وعمليا، توقيت الدفع بعدم الاختصاص، وإمكانية الدفع بعدم الاختصاص، يكون عند بدء تقديم المرافعات من الاطراف المتنازعة امام محكمة العدل الدولية. أو، أنه يمكن الإقدام على خطوة الدفع بالاختصاص عند شرح الدعوى وتقديمها للمحكمة من الطرف المدعي(الإدعاء)، وعند الرد على الدعوى من المدعى عليه في مذكرة الدفاع. لاعتبار أنه في محكمة العدل الدولية، يمكن لطرف ما طرف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، أن يدلي بعدم اختصاص محكمة العدل الدولية من خلال تقديم اعتراض أولي من المدعى عليه، ويتم ذلك عادة في بداية إجراءات القانون والإجراءات القضائية أمام المحكمة من خلال الـدفع بالاختصاص. حيث يقوم الطرف الذي يثير الدفع بعدم الاختصاص أن المحكمة تفتقر إلى الاختصاص من خلال دفع Ratione personae فيما يتعلق بالأطراف المعنية، أو Ratione materiae فيما يتعلق بموضوع النزاع، من حيث قدرة المحكمة على الاستماع للدعوى، بسماع القضية (السماع)، والفصل فيه بشكل قانوني، أو Ratione temporis فيما يتعلق بالفترة الزمنية، أو Ratione loci فيما يتعلق بالنطاق الجغرافي المحدد للاختصاص القضائي، على أساس الموقع الجغرافي الذي وقعت فيه الأحداث المؤدية إلى النزاع القانوني، أو حيث توجد الممتلكات المتعلقة بالقضية. وبالتالي، إذا كان أحد الأطراف يرغب في تقديم طلب بشأن عدم الاختصاص، يجب عليه القيام بذلك في أقرب وقت ممكن في الإجراءات أمام المحكمة، فقد تقضي المحكمة بشأن الدفع بعدم الاختصاص قبل البت في القضية، وعليه يكون القرار الصادر بنتيجة الدفع بعدم الاختصاص ملزماً ويحسم مسألة الاختصاص. والقدرة على الدفع بعدم اختصاص محكمة العدل الدولية ICJ، وتقديم اعتراض أولي، هو ما تشير إليه المادة 79 من قواعد المحكمة التي تم اعتمادها في 14 أبريل 1978م، وتم وضعها حيز النفاذ في الأول من يوليو 1978م. وهذه القواعد الإجرائية ترعى الأصول والإجراءات من حيث القانون(قواعد الاجراءات امام محكمة العدل الدولية). ولذلك، من الضرورة طرح عنصر الاختصاص كدفع شكلي قبل بدء المحاكمة، وهذا هو عين ما فعلته إسرائيل، لتقديمها الدفع بعدم الاختصاص في المرافعة الافتتاحية للدعوى المقدمة للمحكمة.
وواقع عملي قضائي، إذا أقرت محكمة العدل الدولية بعدم اختصاصها، عندها المحكمة لن تنظر القضية، وأما في حال أقرت بذلك، فستبدأ المرحلة الثالثة في اجراءات نظر الدعوى، إذ حينها تقرر المحكمة من الدول الأطراف في اتفاقية منع إبادة الجنس البشري غير المتحفظة على المادة التاسعة فيها، أنها مختصة وستفصل في النزاع المطروح امامها، وذلك بناء على المادتين 62 ، 63 من نظام المحكمة الأساسي، وتبدأ المحكمة التدخل بإبداء رأيها، أي مساندة أحد الطرفين، من خلال دراسة قانونية خطية أولاً، ومن ثم دراسة شفهية. وواقع عملي، كلما ارتفع عدد الدول التي تريد التدخل طرف في الدعوى ستستغرق المحكمة وقتاً أطول لإصدار حكمها والذي قد يصل إلى ثلاث سنوات. وذلك اعتبارا لنص المادة 62 من نظام المحكمة الأساسي، والتي تنص على أنه:(ذا رأت إحدى الدول أن لها مصلحة ذات صفة قانونية يؤثر فيها الحكم في القضية، جاز لها أن تقدم إلى المحكمة طلباً بالتدخل، وأن البت في الطلب المقدم يرجع الأمر فيه إلى المحكمة. وتبعا لنص المادة 63 من النظام الاساسي للمحكمة أنه(إذا كانت المسألة المعروضة تتعلق بتأويل اتفاقية بعض أطرافها دول ليست من أطراف القضية، فعلى المسجل(قلم ديوان المحكمة) أن يخطر تلك الدول دون تأخير، ويحق لكل دولة تخطر على الوجه المتقدم أن تتدخل في الدعوى، فإذا هي استعملت هذا الحق كان التأويل الذي يقضي به الحكم ملزما لها أيضا.
وما يثيرة فقهاء القانون الدولي عن انتفاء الصفة لطرف ما،
فيما إن كان يمكن الدفع بانتفاء الصفة في مثل هذا النوع من المحاكمات، فإنه وفقا لنص المادة الأولى من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، انها تنص على أن:(تصادق الأطراف المتعاقدة على الإبادة الجماعية، سواء ارتكبت في أيام السلم أو أثناء الحرب، انها جريمة بمقتضى القانون الدولي، وتتعهد بمنعها والمعاقبة عليها. وتبعا لنص المادة الثامنة من اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها، والتي تنص على أنه:(لأي من الأطراف المتعاقدة أن يطلب إلى أجهزة الأمم المتحدة المختصة، أن تتخذ، طبقاً لميثاق الأمم المتحدة، ما تراه مناسباً من التدابير لمنع وقمع أفعال الإبادة الجماعية أو أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة من ذات اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها. وكما أنه وتبعا لنص المادة التاسعة من ذات الاتفاقية، والتي تنص على أنه(تعرض على محكمة العدل الدولية، بناءً على طلب أي من الأطراف المتنازعة، الفصل والنظر في النزاعات التي تنشأ بين الأطراف المتعاقدة بشأن تفسير أو تطبيق أو تنفيذ الاتفاقية، بما في ذلك النزاعات المتصلة بمسئولية دولة ما عن إبادة جماعية أو عن أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة من الاتفاقية. وتتناول الفقرات المذكورة من الاتفاقية، القضايا المتعلقة بالإبادة الجماعية، حيث تنص المادة الأولى على أن الإبادة الجماعية تُعتبر جريمة بموجب القانون الدولي، وتلزم الأطراف المتعاقدة بمنعها ومعاقبتها. وأن المادة الثامنة من ذات الاتفاقية، تتيح للدول الطرف في الاتفاقية طلب تدابير منع ووقف قمع الإبادة الجماعية من جهاز الأمم المتحدة(أي) اللجوء لمؤسسات الامم المتحدة الأخرى المتمثل في الامانة العامة للامم المتحدة(الأمين العام)، او اللجوء لمجلس الأمن الدولي. أما المادة التاسعة من الاتفاقية تفتح أبواب المحكمة الدولية لفحص النزاعات بين الدول المتعاقدة بشأن تفسير أو تطبيق الاتفاقية، بما في ذلك المسائل المتعلقة بمسئولية دولية عن جرائم الإبادة الجماعية أو أفعال أخرى مشابهة.
وفي هذا السياق، يظهر أنه:(لأي من الدول أطراف الإتفاقية أن لها الحق في إثارة النزاعات بناءً على هذه المواد من الإتفاقية مع التركيز على منع ومعاقبة جرائم الإبادة الجماعية. إضافة إلى ذلك، فإن أي من الدول الطرف في الاتفاقية، أنها تكتسب حقوقاً والتزامات في مجال منع ومعاقبة الإبادة الجماعية، لكونها(أي الدول طرف الاتفاقية) منضمة إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، والتي تشير إلى أن الدول الأطراف، يمكنها طلب اتخاذ التدابير اللازمة من الأمم المتحدة لمنع وقمع أفعال الإبادة الجماعية. كما يمكن للدول المتنازعة الطرف في الاتفاقية، تقديم طلب النظر والفصل في النزاعات المتعلقة بتفسير أو تطبيق الاتفاقية، باللجوء إلى محكمة العدل الدولية، وهو أمر يسلط الضوء على الالتزام بتحقيق العدالة والمحاسبة في حالة حدوث جرائم الإبادة الجماعية.
ويطرح فقهاء القانون الدولي البعد الإلزامي للأحكام التي تصدرها محكمة العدل الدولية عند فصلها في النزاعات بين الدول، على آعتبار أنه لا يتقاضى أمام محكمة العدل الدولية(إلا دول ولا تنظر إلا في قضايا التعويضات، ولا تحاكم جنائياً الأشخاص). وهو الاساس الذي عليه تقدمت دولة جنوب أفريقيا بدعوى تعويض ضد إسرائيل، وليس دعوى ضد أشخاص.
أما من حيث محكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية، محكمة الجنايات الدولية منظمة دولية غير تابعة لمؤسسات الأمم المتحدة، ويحكمها ميثاق روما لسنة 1999م وقواعد الاجراءات والاثبات لسنة 2015م وقواعد أخلاق مهنة المحاماة أمامها لسنة 2018م، واختصاص محكمة الجنايات الدولية أنها تنظر في القضايا المتعلقة بالأشخاص وليس الدول، وتختص بأربع جرائم كبرى، وهي: جريمة العدوان، وجرائم الحرب، وجرائم إبادة الجنس البشري، والجرائم ضد الإنسانية. وقد قامت دولة جنوب أفريقيا كعضو في المحكمة الجنائية الدولية ومعها عدد 5 دول أخرى، من بينها جيبوتي وجزر القمر، قامت برفع قضية ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتناياهو، وعدد من المسؤولين الإسرائيليين أمامها.
وعليه، للفصل الموضوعي امام محكمة العدل الدولية، يقع العبء على الدولة المشتكية المدعية أن تقنع هيئة المحكمة باحتمال ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية من جانب إسرائيل، وفقط في تلك الحالة، تنتقل هيئة المحكمة للنظر في طلب التدابير المستعجلة، ومدى جدواها وتناسبها مع واقع وأحوال موضوع الشكوي أو الدعوى أمامها من الدولة المشتكية. وأنه غالبا محكمة العدل الدولية، تصدر خلال أيام إلى أسابيع قليلة، تدابير مؤقتة مستعجلة من نوع الأوامر الاحترازية والاحتياطية التي من شأنها الحماية من حالات القتل والموت والأضرار التي هي حاصلة بسبب استمرار الأعمال المادية المشكو منها، وذلك عمليا أسوة بالدعوى التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار عام 2019م. ولكن بشأن الدعوى من دولة جنوب أفريقيا ضد إسرائيل ومثيلاتها من الدعاوى، يبقى السؤال، ما العمل في حال صدر الحكم من المحكمة ورفضت إسرائيل تطبيقه؟ وللإجابة على هذا السؤال، فإنه من حيث المبدأ، على جميع الدول الأطراف في الجمعية العامة للأمم المتحدة، الالتزام بقرارات محكمة العدل الدولية. غير أن نصوص ميثاق الأمم المتحدة والنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، تمنحان البعد الإلزامي لتنفيذ أحكام محكمة العدل الدولية، خصوصاً للدول التي توقع إعلاناً للقبول باختصاصها، أو للدول التي تقبل ضمناً باختصاصها، وذلك حينما توقع الدول على اتفاقيات دولية، تعطي الاختصاص لمحكمة العدل الدولية. وذلك تطبيقا للفقرة الأولى من المادة 94 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تنص على أنه يتعهد كل عضو من أعضاء الأمم المتحدة أن ينزل على حكم محكمة العدل الدولية في أية قضية يكون طرفاً فيها، وإذا امتنع أحد المتقاضين في قضية ما عن القيام بما يفرضه عليه حكم تصدره المحكمة، فللطرف الآخر حسب الفقرة الثانية من ذات المادة، أن يلجأ إلى مجلس الأمن الدولي. وحيث أن لمجلس الأمن الدولي، إذا رأى ضرورة لذلك، أن يقدم توصياته أو يصدر قراراً بالتدابير التي يجب اتخاذها لتنفيذ هذا الحكم. ولكن عمليا، يمكن تعطيل قرار مجلس الأمن الدولي عبر حق النقض (الفيتو)، ونواصل وقائع شكوى السودان ضد الامارات والأساس القانوني الذي قد يسندها.

10/ 04/ 2025م

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى