الأعمدةتأملات

المبادرة المصرية .. شركاء لا عملاء

تأملات
جمال عنقرة

لا أدري إن كنت قد كتبت هذه القصة في مقال قبل ذلك، أم لم أكتبها، لكنني كثيرا ما تحدثت عنها، وكان قد اتصل بي أحد ناشري الصحف اليومية المشهورة في السودان، وأخبرني أنه يبحث عن رئيس تحرير، وأشار له أحد أصدقائه إلى شخصي، لكنه قال له أن هناك تحفظ وحيد عليه – يعني شخصي – أنني متهوم بالعمالة إلى مصر، وليست هذه المشكلة، المشكلة الأكبر عندهم أنني لا أنكر هذه العمالة، ولعل بعض الناس يذكرون اللقاء التلفزيوني الذي اجراه معي صديقنا بكري المدني في برنامجه المشهور في قناة أم درمان “مثيرون للجدل” فبعدما تجاوزت كل المطبات والمتاريس التي كان يظن أنها سوف توقعني في الوحل، أخرج سؤالا من “بيت الكلاوي” فقال لي “يقولون عندك علاقة بالمخابرات المصرية؟” فقلت له بدون تردد “طبعا عندي علاقة بالمخابرات المصرية” فلم يجد غير أن يشكرني ويسدل الستار علي الحلقة، وقد يذكر الناس علي أيام حملة إعلامية شرسة علي مصر قبل نحو عشرة أعوام تقريبا، بزعم أن الشرطة المصرية تعتدي علي المواطنين السودانيين في شوارع القاهرة وتنهب أموالهم، وكنت قد تصديت لهذه الحملة التي لم يكن لديها ما يسندها من منطق، فاستضافي زميلنا الطاهر حسن التوم في برنامجه “حتى تكتمل الصورة” في قناة النيل الأزرق، ومعي زميل آخر، فعرض البرنامج – عالي المشاهدة – صورا لأفراد شرطة مصريين يطاردون سودانيين، فقلت له هذه الصور غير صحيحة، والدليل علي عدم صحتها أن العساكر يرتدون الزي الأبيض، وهذا زي الصيف، وكنا وقتها في شهر يناير عز الشتاء، فلم يجد غير أن يحذف الصور، ولم يعرضها بعد ذلك لا في تلك الحلقة، ولا في غيرها، وهي صور قديمة لعملية فض اعتصام مسجد مصطفي محمود في المهندسين، ويبدو أن أحد الدستوريين كان يتابع الحلقة علي الهواء، فاغاظه ذاك الرد الحاسم، فوصفني في قروب واتسب ب”عميل مصري” ورغم أن الوصف لا يعني بالنسبة لى شيئا، لكنني قصدت تقديم رسالة، فرفعت دعوي ضده في نيابة المعلوماتية، ودخلت معه في تحدي إعلامي، إلى أن أصدرت النيابة أمرا برفع الحصانة عنه، ولم يجد مخرجا إلا أن يأتيني في بيتي في معية نفر كريم من أصدقائي وأهلي، فعفوت عنه، وشطبت البلاغ.
وهذه الأيام يرفع البعض سلاح “العمالة” البئيس يحاولون به الحد من السيل الجارف لتاييد المبادرة المصرية لحل الأزمة السودانية، فقلت لأحد الذين حاولوا معي فعل ذلك، قلت له علي أيام انتفاضة رجب أبريل ١٩٨٥م كان اليساريون يحاولون تحطيم بعض الشخصيات الفاعلة باتهامهم أنهم من سدنة نظام مايو، فقال أحدهم لصديقنا السفير الحكيم العم أحمد عبد الحليم يرحمه الله، أنت من سدنة مايو، فرد عليه عم أحمد “أنا لست من سدنة مايو، أنا من كهنتها”
وأقول للذين يتهموني بالعمالة لمصر، أنا لست من عملاء مصري، أنا من المصريين، والمصريون مني، ولا يمكن بالطبع أن يوصف المرء بالعمالة لأبيه، أو شقيقه، أو إبنه، أو زوجه، فأنا ومصر، والمصريون هكذا.
أما بالنسبة للمبادرة المصرية، فدعمي ووقوفي معها، ليس من باب حب مصر، ولكنه من حبي للسودان أولا، واري ويري معي كثيرون أن لا مخرج من الأزمة الحالية، إلا باتباع سبيل المبادرة المصرية، وأقول للذين يتهمون المبادرة المصرية بأنها معممة، وفضفاضة، أقول لهم هذا هو سر تميز هذه المبادرة، وهي تقوم علي فكرة بسيطة جدا، وهي أن يحدد السودانيون لوحدهم خارطة الطريق، وليس من حق أحد أن يفرض عليهم رؤيته، وأن السودانيين – كل السودانيين – يجب يشتركوا، ويشاركون في رسم ملامح وتفاصيل هذه الخارطة، ودعوة مصر لفرقاء السياسة السودانية إلى الحوار في أرضها لضمان عدم التدخل، ولضمان إبعاد كل عوامل الضغط الإقليمية والدولية، وموقف الرئيس السيسي اليوم من المسألة السودانية، هو ذات موقف الزعيم جمال عبد الناصر عام ١٩٥٤م، عندما آلت له السلطة، فلما كان المصريون لا يرون خيارا للسودان إلا الوحدة مع مصر، وكانت قد خرجت مظاهرات في مصر عندما جاء السيد عبد الرحمن المهدي القاهرة في طريقه إلى بريطانيا ليطالب بالاستقلال، طالب البعض باعدامه، فلما تولي الزعيم جمال عبد الناصر الحكم، قال نحن مع خيار السودان، إذا أرادوا الوحدة مع مصر مرحبا بهم، وإذا أرادوا الإستقلال هنيئا لهم، وكان هذا بمثابة نقطة تحول كبري، وهو السر وراء قيادة الزعيم الإتحادي إسماعيل الأزهري للاستقلال، والآن ينتظر السودانيون جميعا المبادرة المصرية لتحررهم من عبودية الضعفاء والطامعين، وتحفظ لهم بلدهم من كل المخاطر والشرور التي تحيط به إحاطة السوار بالمعصم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى