الأعمدة

الناطق الرسمي للشرطة.. لا نريد صامتاً يرتدي ثوب الكلام بقلم: محمد عثمان الرضي

الناطق الرسمي للشرطة.. لا نريد صامتاً يرتدي ثوب الكلام

بقلم: محمد عثمان الرضي

✦ الشرطة لا ينقصها من يتحدث باسمها، بل من يعرف كيف يتحدث عنها! فالفارق كبير بين مسؤول يحمل لقب الناطق الرسمي، ورجل يمتلك أدوات مخاطبة الرأي العام، وإدارة المعارك الإعلامية، وحماية صورة المؤسسة بالمعلومة لا بالصمت، وبالحضور لا بالغياب.

✦ أصدر المدير العام لقوات الشرطة، الفريق أول شرطة أمير عبدالمنعم فضل، قراراً بإعفاء العميد شرطة فتح الرحمن التوم من مهام الناطق الرسمي باسم الشرطة، وتكليف اللواء شرطة الخواض الشامي خلفاً له. قرار يفتح الباب أمام تساؤل مهني جوهري: هل المطلوب مجرد تغيير الشخص الذي يتحدث باسم الشرطة، أم إعادة تعريف الوظيفة نفسها، وإخراجها من إطار التكليف الإداري إلى فضاء المسؤولية المؤسسية؟

✦ الناطق الرسمي ليس منصباً للمجاملة، ولا جائزة ترضية، ولا مقعداً يكتمل به ترتيب المكاتب. إنه واجهة مؤسسة سيادية تتعامل يومياً مع قضايا الأمن والاستقرار وحقوق المواطنين، ولذلك فإن اختيار شاغل هذا الموقع ينبغي أن يستند إلى الكفاءة والتأهيل والخبرة، لا إلى الاعتبارات التي لا تخدم مقتضيات الوظيفة.

✦ أخطر ما يمكن أن تواجهه مؤسسة أمنية هو أن تتحدث الوقائع من حولها، بينما يتأخر صوتها الرسمي عن تفسير ما يجري. ففي عصر تتدفق فيه الأخبار خلال ثوانٍ، لا يكفي أن تمتلك المؤسسة المعلومة؛ بل يجب أن تمتلك القدرة على تقديمها في الوقت المناسب، بالقدر الذي يسمح به القانون، وباللغة التي يفهمها المواطن.

✦ الناطق الرسمي هو المرآة الإعلامية للشرطة، ومن خلال أدائه تتشكل انطباعات واسعة عن طريقة تعامل المؤسسة مع المجتمع. وحين يكون حاضراً ومتجاوباً، فإنه يمنح الرواية الرسمية فرصة للظهور والتفسير؛ أما حين يتعذر الوصول إليه، فإن مساحة الأسئلة تتسع، وقد تتقدم الروايات غير المكتملة على الحقائق التي كان يمكن توضيحها منذ البداية.

✦ لسنا بحاجة إلى صامت رسمي، بل إلى ناطق يمتلك المعرفة والشجاعة المهنية. والشجاعة هنا ليست رفع الصوت أو الدخول في خصومات مع الصحفيين، وإنما القدرة على مواجهة الأسئلة الصعبة، وتقديم الإجابات الممكنة، والاعتراف بما لم تتضح تفاصيله بعد، والالتزام بتصحيح المعلومات متى ظهرت حقائق جديدة.

✦ ومن مقتضيات المنصب أن يكون التواصل مع الإعلام جزءاً أصيلاً من مسؤوليات الناطق الرسمي، لا عبئاً يحاول التخلص منه. فتعذر الرد على الاتصالات أو تأجيل الاستفسارات بصورة متكررة، إن حدث، لا ينبغي أن يتحول إلى نمط عمل؛ لأن الصحفي لا يبحث بالضرورة عن سبق صحفي فحسب، وإنما قد يسعى إلى التحقق من معلومة تمس أمن المواطن أو سمعته أو سلامته.

✦ وليس من المقبول مهنياً أن يُختزل التواصل المؤسسي في البيانات الجاهزة والمناسبات الرسمية. فالناطق الناجح هو الذي يبني قنوات اتصال مستمرة مع الصحفيين، ويستمع إلى أسئلتهم وملاحظاتهم، ويدرك أن اختلاف وجهات النظر لا يبرر إغلاق الأبواب، وأن النقد الإعلامي لا يمثل بالضرورة استهدافاً للشرطة أو انتقاصاً من دورها.

✦ الإعلام ليس خصماً للشرطة، والصحفي ليس طالب امتيازات. العلاقة الصحيحة بين الطرفين تحكمها قواعد واضحة، تضمن للإعلام حق الاستفسار والتحقق، وتحفظ للمؤسسة الأمنية واجب حماية المعلومات التي يترتب على نشرها ضرر أمني أو مساس بسير العدالة. وما عدا ذلك، فإن الانفتاح المنضبط يظل أكثر فائدة من الصمت الذي يترك الأسئلة بلا إجابات.

✦ واللواء شرطة الخواض الشامي، الذي أُسندت إليه هذه المسؤولية، أمام فرصة حقيقية لتقديم نموذج مختلف في الاتصال الشرطي. فالمنصب لا يمنح صاحبه حصانة من التقييم المهني، كما أن الرتبة وحدها لا تكفي لضمان النجاح؛ إذ تتطلب الوظيفة معرفة بالإعلام، ومهارة في إدارة الأزمات، وقدرة على بناء الثقة مع الصحفيين والرأي العام.

✦ المطلوب من الناطق الرسمي الجديد أن يبدأ بخطة عمل واضحة، لا بوعود عامة. خطة تحدد آليات إصدار البيانات، وسرعة الاستجابة للاستفسارات، وتنظيم الإحاطات الصحفية، وتوحيد مصادر المعلومات، وتدريب الكوادر على التعامل مع الأخبار المتداولة والشائعات، مع وضع معايير معلنة للتواصل المهني مع مختلف المؤسسات الإعلامية.

✦ كما أن العدالة في التعامل مع وسائل الإعلام ضرورة لا تقل أهمية عن سرعة الاستجابة. فلا ينبغي أن تتحكم العلاقات الشخصية في الوصول إلى المعلومة، أو أن يصبح القرب من المسؤول معياراً للحصول على الإجابة. المطلوب نظام مؤسسي واضح، يتيح فرص التواصل على أساس المهنية، ويحفظ حق الشرطة في تنظيم خطابها الرسمي وفق القانون.

✦ وتأتي هذه المسؤولية في ظروف استثنائية تمر بها البلاد، ما يجعل الحاجة إلى خطاب شرطي رصين أكثر إلحاحاً. فالمواطن يريد أن يعرف ما يحدث، والصحفي يريد مصدراً رسمياً موثوقاً، والشرطة تحتاج إلى إيصال رسالتها بوضوح. وهذه المصالح ليست متعارضة بالضرورة، بل يمكن أن تتكامل إذا أُديرت العلاقة بعقلية مؤسسية بعيدة عن الحساسية تجاه الأسئلة والنقد.

✦ وعلى المدير العام لقوات الشرطة، الفريق أول شرطة أمير عبدالمنعم فضل، أن يجعل هذا التغيير مدخلاً لتطوير منظومة الإعلام الشرطي بأكملها، لا مجرد تبديل في شاغل المنصب. فالمسؤولية لا تقع على الناطق الرسمي وحده؛ بل تشمل توفير المعلومات المعتمدة، وتحديد صلاحياته، وتمكينه من الوصول إلى الجهات المختصة، ومحاسبته مهنياً وفق نتائج قابلة للتقييم.

✦ الناطق الرسمي للشرطة ليس حارساً لباب المؤسسة، بل جسرها إلى الرأي العام. لا نريده أن يملأ الفضاء بالتصريحات، وإنما أن يملأه بالحقائق؛ ولا نريده أن يدخل في معارك مع الصحفيين، بل أن ينتصر للمعلومة الدقيقة. فالهيبة لا يصنعها الصمت، والثقة لا تبنيها الأبواب المغلقة، والمؤسسة الواثقة من رسالتها لا تخشى السؤال المهني. أما المنصب الذي لا يصل صوته إلى الناس، فعليه أن يراجع معنى وجوده قبل أن يطلب من الآخرين الاستماع إليه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى