
انهيار مليشيا الدعم السريع في دارفور: تحليل لجذور الأزمة الهيكلية للجنجويد.
د. حيدر البدري يكتب في نقطة سطر جديد.
في منعطف حاسم من الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل ٢٠٢٣، تتهاوى مليشيا الدعم السريع التي كانت تُوصف ذات يوم بأنها “أقوى ميليشيا في السودان” بسرعة مذهلة. بعد سيطرة دامت قرابة عامين على العاصمة الخرطوم، شهدت الأسابيع الأخيرة انهياراً متسارعاً لقوات الدعم السريع وتراجعها إلى معاقلها التقليدية في إقليم دارفور غربي السودان. هذا الانهيار المفاجئ الذي بدأ في الخرطوم يلوح في الأفق أيضاً في دارفور، وذلك بسبب عوامل هيكلية عميقة تتمثل في الفساد المالي وانعدام الشفافية وضعف الرواتب وانعدام العقيدة القتالية الحقيقية، مما يقوض أسس وجودها العسكري والسياسي. هذا المقال يحلل الجذور الهيكلية لأزمة الميليشيا ويتوقع مصيرها في إقليم دارفور بناء على معطيات ميدانية وتحليلات استراتيجية.
لطالما اعتمدت مليشيا الدعم السريع على لتمويل الخارجي والموارد المحلية غير المشروعة في بناء قوتها، لكن هذه الآلة المالية بدأت تتعثر بشكل كبير في الفترة الأخيرة. وفقاً لتحليلات اقتصادية، فإن بنية الميليشيا المالية تقوم على الاقتصاد الرمادي والتهريب العابر للحدود، خاصة الذهب والماشية والسلع الغذائية . لكن مع تقدم الجيش السوداني في السيطرة على المعابر الحدودية والطرق التجارية، بدأ هذا التمويل ينضب بشكل ملحوظ.
الأخطر من ذلك هو الفساد الداخلي الذي استشرى في جسم الميليشيا، حيث اتجه قادتها إلى اختلاس الأموال المخصصة للرواتب والمعدات. تشير تقارير إلى أن الرواتب التي كان يتقاضاها مقاتلو الدعم السريع كانت في البداية أعلى بأربعة أضعاف من رواتب نظرائهم في الجيش السوداني ، لكنها أصبحت تتأخر بشكل متكرر وغير منتظم، مما أدى إلى تذمر كبير في صفوف المقاتلين. بلغ الأمر ذروته عندما بدأ القادة يخصصون هذه الأموال لأنفسهم ويتركون المقاتلين دون رواتب منتظمة، مما دفع العديد منهم إلى الانشقاق أو الفرار من ساحات القتال.، كما أن ظاهرة النهب المنظم للممتلكات العامة والخاصة التي انتهجتها الميليشيا في المناطق التي سيطرت عليها – كما حدث في الخرطوم حيث نهبت البنوك والمستشفيات والأسواق – لم تعد مجدية في ظل تراجع سيطرتها الجغرافية، مما أفقدها مصدراً مالياً رئيسياً كان يعوّض عن تقصيرها في دفع رواتب المقاتلين.
لا يخفى ان تركيبة الميليشيا القبلية والقيادة الأسرية (عائلة دقلو) كانت أحد أسباب ضعفها الهيكلي. فبحسب التحليلات العسكرية، فإن الولاء القبلي الضيق لا يمكن أن يشكل أساساً لقوة عسكرية منظمة ودائمة . لقد فشلت قيادة الميليشيا في التحول من مليشيا قبلية إلى جيش نظامي يحظى بولاء وطني واسع، وظلت محصورة في إطار عائلي ضيق، مما حدّ من قدراتها على الاستمرار والتوسع.
اعتمدت الميليشيا على ما يعرف بـ”عقيدة الفزع” – وهي آلية تقليدية لتعبئة المقاتلين على أساس قبلي مؤقت – كأساس لاستراتيجيتها القتالية . هذه العقيدة التي كانت فعالة في الحروب القبلية المحدودة وفي المراحل الأولى من الحرب، أثبتت فشلها الذريع في مواجهة الجيش النظامي الذي يمتلك عقيدة قتالية متطورة وخططاً استراتيجية محكمة.
لقد استطاع الجيش السوداني تفكيك هذه العقيدة عبر عزل وحدات الميليشيا عن بعضها البعض ومنعها من التواصل والتعزيز، مستفيداً من غياب الانضباط العسكري والتراتبية القيادية الواضحة في صفوف الميليشيا . كما أن الاعتماد على “الفزع” أدى إلى تجنيد آلاف المقاتلين غير المدربين الذين لا يملكون الحافز الحقيقي للقتال سوى الوعود المالية أو الدوافع القبلية المؤقتة، مما جعلهم يفرون من ساحات القتال عند أول هزيمة .
تكبدت مليشيا الدعم السريع خسائر بشرية غير مسبوقة في تاريخ التمردات المسلحة بالسودان، حيث يقترب عدد قتلاها من أعداد القتلى في حرب الجنوب الثانية أو تمرد دارفور منذ ٢٠٠٣ . هذه الخسائر الفادحة أثرت بشكل خاص على القبائل العربية في دارفور وكردفان التي تشكل العمود الفقري للميليشيا، مما سيخلف تداعيات ديموغرافية واجتماعية خطيرة على هذه المجتمعات.
لاشك أن العزلة الإقليمية والدولية غيرت موازين القوى، فقد كانت مليشيا الدعم السريع تحظى بدعم إقليمي قوي، خاصة من الإمارات العربية المتحدة، التي زودتها بالأسلحة والتمويل عبر حدود ليبيا وتشاد . لكن المعادلات الإقليمية بدأت تتغير مع تقدم الجيش السوداني وتحقيق انتصارات متتالية. فالاتحاد الأفريقي بدأ يميل للتعامل مع الحكومة السودانية دون قوات الدعم السريع، وبعض السفراء الغربيين باتوا يظهرون دعمهم للجيش السوداني بشكل علني .
كما أن الانشغال الدولي بالحرب الإيرانية الإسرائيلية والكارثة في فلسطين قلل من الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية، مما أفسح مجالاً أكبر للجيش السوداني لتحقيق تقدم ميداني دون ضغوط دولية . هذه العزلة الإقليمية والدولية المتزايدة ستجعل من الصعب على الميليشيا الحصول على الدعم العسكري والمالي اللازم للصمود في دارفور لفترة طويلة.
ولاشك ان التداعيات الإنسانية وجرائم الحرب تمثل عامل التفكك الداخلي للمليشيا فقد ارتكبت مليشيا الدعم السريع انتهاكات جسيمة بحق المدنيين في المناطق التي سيطرت عليها، بما في ذلك القتل والنهب والاغتصاب . هذه الانتهاكات التي وثقتها منظمات حقوقية عديدة، جعلت الميليشيا تفقد أي شرعية سياسية أو أخلاقية ممكنة، حتى في المناطق التي كانت تشكل فيها قاعدة شعبية.
في دارفور، أدت هذه الانتهاكات إلى تذمر متزايد من قبل السكان المحليين الذين عانوا من ويلات الحرب لسنوات طويلة. كما أن النزوح الهائل الذي حدث بسبب الحرب – حيث نزح أكثر من ٦ ملايين شخص – خلق كاريزما كراهية تجاه الميليشيا التي كانت سببا رئيسا ومباشراً في هذه المعاناة الإنسانية .
بناء على التحليل السابق، يمكن استشراف عدة سيناريوهات لمستقبل مليشيا الدعم السريع في دارفور:
السيناريو الأول: التفكك والتحول إلى جماعات منفصلة، وهذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث تتحول الميليشيا من تنظيم مركزي إلى جماعات مسلحة متناحرة تتصارع على النفوذ والموارد. هناك حقيقة مؤشرات على هذا السيناريو، كما حدث في نيالا عاصمة جنوب دارفور حيث شهدت اشتباكات داخلية وانهياراً أمنياً في صفوف الميليشيا .
السيناريو الثاني: الحسم العسكري لصالح الجيش، ويجمع المراقبون ان هذا السيناريو يقترب من التحقق مع استعداد الجيش السوداني لتحرير دارفور بعد تحرير الخرطوم . الجيش يمتلك الآن زخماً عسكرياً ومجالاً مانفوراً للتمدد غرباً نحو كردفان ودارفور، مستفيداً من خبرته الطويلة في حروب التمرد .
السيناريو الثالث والذي لا مستقبل له : محاولة إقامة كيان منفصل حكومة موازية..
فقد تحاول قيادة الميليشيا إعلان حكومة موازية في دارفور على غرار النموذج الليبي، والمساومة بها للعودة إلى الخرطوم سياسياً كما فعلت في مسرحية هزلية مضحكة . لكن هذا السيناريو يصطدم بعدة عوائق، أبرزها عدم الاعتراف الدولي والإقليمي بهذه الحكومة، بالإضافة إلى المقاومة الشعبية والعسكرية المحتملة.
مليشيا الدعم السريع، التي ظهرت كقوة عسكرية وسياسية فاعلة في السودان، تتهاوى اليوم بسبب أمراضها الهيكلية الذاتية التي تمثلت في الفساد المالي وانعدام الشفافية وضعف الرواتب وانعدام العقيدة القتالية الحقيقية. هذه العوامل، إلى جانب العزلة الإقليمية والدولية المتزايدة والتداعيات الإنسانية لجرائمها، تجعل من انهيارها في دارفور مسألة وقت ليس إلا.
المشاهد التي رآها العالم لهروب مقاتلي الميليشيا في الخرطوم – حيث تركوا سياراتهم وفروا راجلين – قد تتكرر قريباً في دارفور، لكن الفارق هذه المرة أنهم لن يجدوا ملاذاً آمناً يلوذون إليه، بعد أن استنفذوا كل الفرص التي كانت متاحة لهم لتصحيح مسارهم والاندماج في دولة القانون والمؤسسات.
مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على أسس من الفساد والعنف والانتهازية، بل على أسس من العدالة والشفافية والديمقراطية التي ناضل من أجلها الشعب السوداني العظيم.
نقطة سطر جديد.