تأملات

(تأملات) .. جمال عنقرة .. أحمد هارون .. ومناهج الخالدين


قد لا يعلم كثيرون أن علاقتي المباشرة مع مولانا أحمد محمد هارون لم تبلغ بعد عامها العاشر، وهي لا تزال علي مشارفه، ولقد ادهش ذلك كثيرين، ولهم الحق في هذا، ذلك أن ما بيني وبين أحمد هارون من وصل وتواصل، وصلة واتصال خلال فترة حكمه لولاية شمال كردفان، فاقت ما بيني وبين كل الذين سبقوه، علما بأن صلاتي بكثيرين من أبناء كردفان الذين حكموها، تفوق صلتي بأحمد هارون بعشرات السنين، فمنهم من تعود صلتي المباشرة معه إلى نحو نصف قرن من الزمان، مثل صهرنا المرحوم محمود حسيب، وزميلي وابن عمي معتصم ميرغني حسين زاكي الدين، وأستاذي وصديقي وأخي محمد أحمد أبو كلابيش، ومنهم من قاربت صلتي معه نصف القرن، مثل أخي الدكتور فيصل حسن إبراهيم، وأخي المرحوم الفريق الفاتح بشارة، وشيخنا إبراهيم محمد السنوسي. أما مولانا أحمد محمد هارون، فكما ذكرت فإن معرفتي له لم تكمل عامها العاشر بعد، هذا بالطبع بشأن العلاقة المباشرة، فهو قطعا قد سمع عني قبل ذلك بسنوات، ادناها عندما ذهب لدراسة الجامعة في مصر، وكنا قد تخرجنا قبل وصولهم ببضع سنين، وكان حظنا أن كنا من جيل نهضة العمل الإسلامي في مصر، ومن الذين تأسس في عهدهم الإتحاد العام للطلاب السودانيين في مصر، وكان أحمد هارون من الذين حملوا الشعلة، وازدادت في عهدهم اشعاعا ونورا، أما هو فكان بالنسبة لي معروفا منذ أن سطع نجمه زعيما طلابيا في مصر بكل ما تعني كلمة زعامة، ثم بان تميزه بعد تخرجه في الجامعة وولوجه الحياة العامة، وكانت الشرطة الشعبية أول محطة لفت نظري فيها اداؤه، ولما تولي وزارة الدولة في وزارة الشؤون الإنسانية، أعجبني فيه اهتمامه وعطاؤه لأهله الكردافة، وتجلي ذلك في وقفته العظيمة معنا في منظمة الأبيض التطوعية، وبدأ تجلي عبقريته في ولاية جنوب كردفان، حيث قدم أفضل نموذج للشراكة الصادقة مع الحركة الشعبية، وكنت قد كتبت في حينها، وقلت لو أن شراكة جنوب كردفان عممت علي كل السودان لما وقع الإنفصال، وذكرت أن عبد العزيز الحلو لو كان صادقا لما حدث ما حدث، ولتميز تجربته في جنوب كردفان، عندما تقرر إنشاء ولاية ثالثة في كردفان، وطالب أهل جنوب كردفان أن يكون الوالي من أبنائهم، كنت من الذين قادوا حملة نقل أحمد هارون إلى شمال كردفان واليا، ويسر ذلك مرور واليها آنذاك الأخ معتصم زاكي الدين بظروف صحية، استدعت تفرغه للعلاج، ويحمد لقيادة الدولة أن استجابت لنداء أهل شمال كردفان، وأتت بمولانا أحمد محمد هارون واليا لولايتهم.
كثيرون يبهرهم في تجربة أحمد هارون في شمال كردفان الإنجازات العظيمة التي تحققت في عهده، ولم يسبقه عليها، ولم يأت من بعده أحد استطاع أن يحافظ عليها ناهيك عن يزيد أو يطور، ومع ذلك لم تكن هذه عندي أعظم إنجازات هارون رغم عظمتها، وفي تقديري أن أعظم ما أنجز هارون في شمال كردفان المعاني قبل المباني، وفي هذه لم يتفوق مولانا علي حكام كردفان وحدهم، ولم يقف حدود تفوقه علي رصفائه من ولاة الولايات الأخري، ولكنه تفوق علي كل السياسيين من حزبه، ومن الأحزاب الأخري، ولن أكون مبالغا لو قلت أنه تفوق علي السياسيين السودانيين جميعا، في كل العهود والعصور، ولولا التواضع لزدت علي ذلك كثيرا.
ومن خلال اقترابي من أحمد هارون خلال تلك الفترة المحدودة، عرفت أن أحمد هارون رغم مشغولياته التي تأخذ جل وقته، لا يخلد إلى النوم قبل أن يقرأ كتابا، أو جزءا من كتاب، وهو لا يقرأ إطلاعا عابرا، ولكنه يقرأ بتدبر وتفكر وتمعن، ويحرص كثيرا علي قراءة سير العظماء، وفي مقدمتهم أعظم الخلق جميعا، سيدنا وحبيبنا، وقدوتنا، وقائدنا، ومعلمنا، وهادينا بإذن الله تعالى، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم، ثم خلفائه الراشدين، وصحابته النجوم الغر الميامين، وكل الخالدين المميزين من الناس أجمعين، ومن سير هؤلاء، رسم معالم مسيرته في ولاية شمال كردفان، التي جسدها نفير نهضة الولاية.
مثلما بدأت الدعوة المحمدية بترسيخ عقيدة التوحيد وغرسها في النفوس، كان أول ما اهتم به أحمد هارون، غرس الكردفانية في قلوب وعقول الكردافة، وجعلها تعلو علي كل ما سواها، ليوحد شعورهم أولا، ويتخذ من ذلك مدخلا لتوحيد صفهم، فلما عمد إلى بناء مشروع النفير لم يستثن احدا، وعهد قيادة النفير إلى رموز كردفانية محل تقدير واعزاز وإحترام، من كل الكردافة، بل من كل أهل السودان، يتقدمهم الرمز الشامخ محليا واقليميا وعالميا الراحل المقيم المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب له الرحمة والمغفرة، ومعه عدد من الرموز منهم، المرحوم الفريق أول ركن عبد الماجد حامد خليل، والدكتور سيد علي زكي، وآخرون كثر، وعندما شكل أول حكومة غرس فيها بعضا من يوانع حاضرة كردفان، مدينة الأبيض عروس الرمال أبو قبة فحل الديوم، هم الأحباب فتح الرحمن أبو دومة، وبكري يوسف البر، وكمال عوض، وكانت هذه أبلغ واقوي رسالة، وعزز ذلك بأن أبعد واستبعد كثيرين من منسوبي الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني الذين كانوا يسيطرون علي المشهد السياسي في الولاية طوال سنوات الإنقاذ السابقة لعهد ولاية أحمد هارون، فلم تمض غير شهور محدودة حتى صار الكردفانيون جميعا علي قلب رجل واحد، ولعل الناس يذكرون أنه عندما حدثت انتفاضة سبتمبر ٢٠١٣م ضد حكومة الإنقاذ، كان أهل كردفان وحدهم من بين كل أهل السودان، لم يخرج منهم أحد في تلك المظاهرات، وفاء وعرفانا لابنهم الذي أحسن الظن بهم جميعا، ولم يفرق بينهم لأي انتماء حزبي، ولا لموقف سياسي، ولا لعقيدة دينية، ولا لأي شئ آخر غير الكردفانية.
والعقيدة الكردفانية التي احياها أحمد هارون، كانت السبب من بعد فضل الله وتوفيقه في أن يصير الكردفانيون كلهم صفا واحدا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وهي المدخل لما حققه نفير النهضة من نجاحات باهرة، وأهم ما تفوق فيه هارون هو روح الإنتماء تلك التي احياها في الكردافة الناس القيافة، فصاروا يتسابقون علي الخيرات، ولقد سجلت يوميات كردفان علي عهد هارون قصصا أغرب من الخيال، ولا يزال كثيرون يتحدثون حتى اليوم عن عجائب صنائع الكردافة علي أيام الدورة المدرسية التي احتضنتها الولاية، ومن بعض تلك المشاهد أن كل أهل عروس الرمال تواثقوا بغير إتفاق ولا تنسيق علي ألا يأخذوا قيمة أي خدمة يقدمونها لضيف من ضيوف الدورة المدرسية، فكان أصحاب الحافلات، والتاكس، والحلاقون، وستات الشاي، وشباب الورنيش، وغيرهم لا يأخذون قرشا من ضيف من ضيوف الولاية علي أيام الدورة المدرسية.
ان ما قدمه أحمد هارون من مبان، وما حققه من إنجازات عظيمة في ولاية شمال كردفان، تتضاءل كثيرا أمام عظمة المعاني التي كان يجسدها أحمد هارون، وغرسها في أهل الولاية، ولعلها السبب وراء خروج أهل الغرة الخميس الماضي مطالبين بإطلاق سراح إبنهم وقائد نهضتهم مولانا أحمد محمد هارون، فك الله أسره.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى