الأعمدة

*تحول الهوية إلى سجن… كيف تقتل الانتماءات الضيقة الإنسان قبل أن تقتل الأوطان؟* إعداد: محمد بشير الصديق

*تحول الهوية إلى سجن… كيف تقتل الانتماءات الضيقة الإنسان قبل أن تقتل الأوطان؟*

إعداد: محمد بشير الصديق

*منذ آلاف السنين، والإنسان يسعى إلى تعريف نفسه.*

*مرةً بالدين، ومرةً باللغة، ومرةً بالأرض، ومرةً بالقبيلة.*

 

*لكن السؤال الذي لم يُطرح بالقدر الكافي هو:*

 

*أيُّ هذه الهويات يعكس حقيقة الإنسان، وأيُّها مجرد صدفة ميلاد؟*

 

*فمن أخطر الأوهام التي ابتكرها الإنسان أنه جعل قيمة المرء فيما لم يختره، لا فيما صنعه.*

 

*فأصبح يُسأل عن قبيلته قبل عقله، وعن وطنه قبل مبادئه، وعن طائفته قبل أخلاقه، وعن لونه قبل علمه، وعن لغته قبل إنجازه، وكأن الإنسان يولد مكتمل القيمة بمجرد انتمائه، لا بما يقدمه للحياة.*

 

*الحقيقة أن الإنسان لا يولد حاملًا فضيلةً أو رذيلة بسبب نسبه، ولا يصبح أكثر حكمة لأنه وُلد داخل حدود جغرافية معينة، ولا أكثر شرفًا لأن لغته أو قوميته أو ثقافته تختلف عن غيره.*

 

*فهذه كلها هويات طبيعية تشكل جانبًا من شخصية الإنسان، لكنها لا تُعرِّف جوهره، ولا تمنحه حق الاستعلاء على الآخرين.*

 

*إن القبيلة، والوطن، والقومية، والعرق، واللغة، والمذهب، والحزب، والطبقة الاجتماعية، وحتى الانتماء الفكري والثقافي… كلها دوائر انتماء قد تكون مصدر ثراء إذا بقيت في حجمها الطبيعي، لكنها تتحول إلى أدوات هدم عندما تدّعي أنها الحقيقة الوحيدة، أو تجعل نفسها أعلى من الإنسان.*

 

*فالمشكلة ليست في أن يكون لك وطن، بل في أن تعتقد أن الإنسانية تنتهي عند حدوده السياسية.*

 

*وليست في أن تعتز بلغتك، بل في أن تحتقر لغات الآخرين. وليست في أن تحب قبيلتك، بل في أن تجعلها ميزانًا للحق والباطل.*

 

*وليست في أن تنتمي إلى مدرسة فكرية أو مذهب أو حزب، بل في أن تتوقف عن التفكير بمجرد انضمامك إليه.*

 

*كل تعصب يبدأ بحب مشروع، ثم ينتهي بعبادة ذلك الحب.*

 

*فحب الوطن يتحول إلى قومية متطرفة حين يصبح الآخر عدوًا لمجرد أنه وُلد في الجهة المقابلة من الحدود.*

 

*وحب القبيلة يتحول إلى عصبية حين يُقدَّم ابن القبيلة الظالم على الغريب العادل.*

 

*وحب الدين يتحول إلى غلو إذا استُخدم لتبرير الظلم والكراهية باسم الإيمان.*

 

*وحب الثقافة يتحول إلى استعلاء عندما تُصنَّف الحضارات إلى سادة وعبيد.*

 

*وهكذا، لا يعود الإنسان يرى العالم كما هو، بل كما رسمته له هويته الضيقة.*

 

*إن أخطر ما تفعله الانتماءات المغلقة أنها تُعيد تعريف الإنسان تعريفًا ناقصًا.*

 

*فلا يعود فردًا حرًا يملك عقلًا وإرادة ومسؤولية، بل يتحول إلى ممثل لجماعته، يحمل أخطاءها وإنجازاتها، ويُدان أو يُمدح بسبب اسمها لا بسبب عمله.*

 

*وهنا يموت العدل.*

 

*فلا يعود السؤال:*

 

*من هو الأكفأ؟*

 

*بل:*

 

*من هو الأقرب إلينا؟*

 

*ولا يعود المعيار:*

 

*من يملك الحق؟*

 

*بل:*

 

*من ينتمي إلى جماعتنا؟*

 

*ومن هذه اللحظة تبدأ المؤسسات في الانهيار، لأن الكفاءة تُستبدل بالولاء، والعدالة تُستبدل بالمحسوبية، والمواطنة تُستبدل بالعصبية، والإنسان يُختزل في بطاقة تعريف لا في ضميره وعقله.*

 

*لقد شهد التاريخ حروبًا أُحرقت فيها مدن كاملة لأن الناس اختلفوا في العرق، أو القومية، أو الطائفة، أو الحدود، أو اللغة.*

 

*ولم تكن المشكلة في اختلاف الهويات، بل في تحويلها إلى آلهة صغيرة يعبدها البشر، ويقدمون لها الحقيقة والعدل والرحمة قرابين.*

 

*إن الحضارة لم تتقدم عندما اكتشف الإنسان الحديد أو البخار أو الكهرباء أو الذكاء الاصطناعي، وإنما تقدمت يوم بدأ يدرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما ورث، بل بما أنجز.*

 

*وأن الكرامة لا يمنحها جواز السفر، ولا شجرة النسب، ولا لون البشرة، ولا الثروة، بل يمنحها السلوك القويم، والعلم النافع، والعمل الصالح.*

 

*ولهذا جاء الإسلام ليعيد بناء ميزان الإنسان من جديد. فلم يُلغِ الشعوب ولا القبائل، ولم يمحُ اللغات والثقافات، لكنه رفض أن تتحول إلى معايير للتفاضل، فقال تعالى:*

 

*(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).*

 

*فالتعارف هو الغاية، لا التنازع.*

 

*والتنوع نعمة، لا ذريعة للتفاضل. والإنسان يُكرم بما يختاره من قيم، لا بما وُلد فيه من ظروف.*

 

*إن العالم اليوم لم يعد يعاني من نقص الموارد بقدر ما يعاني من ضيق الوعي.*

 

*فما زالت الحدود السياسية تقسم الضمير، وما زالت العصبيات القبلية والقومية والمذهبية والحزبية والطبقية والثقافية تصنع جدرانًا أعلى من الجبال بين البشر.*

 

*ولذلك فإن أعظم ثورة يحتاجها الإنسان ليست ثورة على الحكومات، بل ثورة على العقل الذي يحصر هويته في إطار واحد، وينسى أنه ينتمي قبل كل شيء إلى الإنسانية، وأنه مستخلف في الأرض كلها، لا في قطعة منها فقط.*

 

*لا تجعل القبيلة سجنًا، ولا الوطن صنمًا، ولا الحزب عقيدة، ولا القومية دينًا، ولا المذهب جدارًا، ولا اللغة مقياسًا للتفوق، ولا الثقافة مبررًا للازدراء.*

 

*أحب وطنك، لكن لا تكره أوطان الآخرين.*

 

*اعتز بقبيلتك، لكن لا تحتقر القبائل الأخرى.*

 

*تمسك بدينك، لكن لا تظلم الناس باسمه.*

 

*حافظ على ثقافتك، لكن لا تغلق بابك أمام الحكمة أينما جاءت.*

 

*فالإنسان العظيم هو الذي تتسع هويته كلما اتسع وعيه.*

 

*يبدأ ابنًا لأسرة، ثم فردًا في مجتمع، ثم مواطنًا في وطن، ثم عضوًا في الأمة، ثم إنسانًا يحمل مسؤولية أخلاقية تجاه البشرية كلها.*

 

*وحين يصل الإنسان إلى هذه المرتبة، يدرك أن الحدود التي رسمها التاريخ على الخرائط لا ينبغي أن تُرسم داخل الضمير، وأن اختلاف الهويات ينبغي أن يكون مصدرًا للتكامل لا للتقاتل، وللتعارف لا للتناحر.*

 

*وفي الختام…*

 

*إذا أردت أن تعرفني، فلا تسألني عن قبيلتي، ولا عن جنسيتي، ولا عن عرقي، ولا عن مذهبي، ولا عن حزبي، ولا عن لون بشرتي، ولا عن حجم ثروتي، ولا عن اسمي، ولا عن الجهة التي جئت منها.*

 

*اسألني:*

 

*كيف أفكر؟*

 

*ما القيم التي أحملها؟*

 

*كيف أتعامل مع الناس؟*

 

*ماذا أضفت إلى الحياة؟*

 

*وما الأثر الذي سأتركه بعد رحيلي؟*

 

*هناك فقط يبدأ التعارف الحقيقي، وهناك فقط يولد الإنسان للمرة الأولى… إنسانًا حرًا، لا أسيرًا لانتماءٍ ضيق، ولا سجينًا لحدودٍ صنعها التاريخ، بينما خُلق هو ليعمر الأرض كلها بالعدل والخير والمعرفة.*

 

*كل ما سبق ينتقد التعصب والانغلاق، لا الانتماءات الطبيعية نفسها، ويؤكد أن الاعتزاز بالقبيلة أو الوطن أو الثقافة أو الدين لا يتعارض مع احترام إنسانية الآخرين، بل إن الخلل يبدأ عندما تتحول هذه الانتماءات إلى أدوات لإلغاء الإنسان أو تبرير الظلم والتفاضل غير المشروع.*

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى