مقالات

ترمب يكتب شهادة وفاة للأمم المتحدة والقانون الدولي العام

بقلم :أبوعبيدة الطيب سليمان الخليفة

أولًا: تمهيد

يمثّل السلوك الدولي للدول الكبرى اختبارًا حقيقيًا لمدى فعالية النظام القانوني الدولي، إذ تتجلى عنده الحدود الفاصلة بين القانون بوصفه نظامًا مُلزِمًا، والسياسة بوصفها ممارسة قائمة على موازين القوة. وفي هذا السياق، يثير ما أقدمت عليه الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترمب، والمتمثل في اعتقال رئيس دولة ذات سيادة – أو السعي إلى إخضاعه لإجراءات قسرية خارج الأطر القانونية الدولية المعترف بها – إشكاليات قانونية عميقة، لا تتعلق فقط بمخالفة نصوص بعينها، بل تمتد إلى تقويض فكرة القانون الدولي العام ذاتها.

ثانيًا: الإطار القانوني الناظم للشرعية الدولية:

أُسّس النظام الدولي المعاصر بموجب ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945 على مجموعة من المبادئ الآمرة التي تشكّل جوهر القانون الدولي العام، وفي مقدمتها:

1. مبدأ المساواة في السيادة بين الدول (المادة 2/1 من الميثاق).

2. حظر التهديد باستعمال القوة أو استعمالها في العلاقات الدولية (المادة 2/4).

3. عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول (المادة 2/7).

4. حصر مسؤولية حفظ السلم والأمن الدوليين في مجلس الأمن (المادتان 24 و39 وما بعدها).

وقد استقر فقه القانون الدولي على أن هذه المبادئ لا تمثّل مجرد قواعد اتفاقية، بل ترقى في كثير من جوانبها إلى قواعد آمرة (Jus Cogens) لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، ولا تملك أي دولة، مهما بلغت قوتها، حق الانفراد بتعطيلها.

ثالثًا: الحصانة السيادية لرؤساء الدول وأساسها القانوني:

تشكل الحصانة السيادية لرؤساء الدول إحدى النتائج المباشرة لمبدأ السيادة والمساواة بين الدول. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية مذكرة التوقيف (الكونغو ضد بلجيكا، 2002) أن رؤساء الدول يتمتعون بحصانة كاملة من الولاية الجنائية الأجنبية أثناء توليهم مناصبهم، بغضّ النظر عن طبيعة الاتهامات، ما لم تُرفع هذه الحصانة وفق آلية قانونية دولية مختصة.

وعليه، فإن إخضاع رئيس دولة لإجراءات قسرية خارج إطار القضاء الدولي (كمحكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية وفق اختصاصها)، ومن دون تفويض من مجلس الأمن، يُعد انتهاكًا مباشرًا لمبدأ الحصانة السيادية، ومسًّا خطيرًا باستقلال الدولة ذاتها، لا بشخص الحاكم فقط.

رابعًا: تقويض فكرة القانون الدولي العام بوصفه قانونًا مُلزِمًا:

لا يستمد القانون الدولي العام طبيعته القانونية من وجود سلطة مركزية عليا، كما هو الحال في النظم الوطنية، بل من القبول الجماعي للدول بقواعده، ومن الإيمان بطابعه الإلزامي. وقد عبّر هانز كلسن عن ذلك بقوله إن القانون الدولي هو نظام معياري قائم بذاته، لا يقل قانونية عن القانون الداخلي، وإن اختلفت آليات إنفاذه.

غير أن السلوك الأحادي الذي انتهجته إدارة ترمب يضرب في الصميم هذا الأساس الفلسفي.

فحين تتصرف دولة كبرى على أساس أن قواعد القانون الدولي تُطبّق على غيرها دونها، فإنها لا تنتهك قاعدة بعينها فحسب، بل تنزع عن القانون الدولي صفته كقانون عام، وتحيله إلى أداة سياسية انتقائية، وهو ما حذّر منه فقهاء كثر، معتبرين أن انتقائية التطبيق تُفرغ القاعدة القانونية من مضمونها، وتحوّلها إلى خطاب أخلاقي بلا جزاء.

وبهذا المعنى، فإن ما جرى لا يُعد خرقًا عارضًا، بل يمثل نسفًا تدريجيًا لمبدأ عمومية القاعدة القانونية الدولية، وهو المبدأ الذي بدونه لا يمكن الحديث عن قانون دولي عام، بل عن علاقات قوة مغلّفة بلغة قانونية.

خامسًا: عجز الأمم المتحدة وتآكل الشرعية الجماعية:

إن صمت الأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن، إزاء مثل هذه الانتهاكات، لا يمكن تفسيره فقط بالخلافات السياسية بين الدول دائمة العضوية، بل يعكس أزمة بنيوية في النظام الدولي ذاته. فقد تحوّلت المنظمة، في حالات عديدة، من فاعل قانوني ضامن للشرعية الدولية إلى إطار شكلي تُعطَّل داخله القواعد كلما تعارضت مع مصالح القوى الكبرى.

وهذا الواقع يطرح تساؤلًا جوهريًا حول مستقبل الشرعية الدولية الجماعية، ويؤكد أن إخفاق الأمم المتحدة في فرض احترام الميثاق يفضي عمليًا إلى إعادة العالم إلى منطق ما قبل 1945، حيث كانت القوة مصدر الحق، لا العكس.

ختاماً:

يمكن القول إن السياسات التي انتهجها دونالد ترمب لا يمكن فهمها بوصفها انحرافًا سياسيًا عابرًا أو تعبيرًا عن نزعة أحادية ظرفية، بل يتعين قراءتها باعتبارها هجومًا بنيويًا على فكرة النظام القانوني الدولي في ذاتها، فهي لم تُضعف الأمم المتحدة كمؤسسة جماعية فحسب، بل أصابت في الصميم الأساس الفلسفي الذي يقوم عليه القانون الدولي العام، أي كونه نظامًا معياريًا عامًا، مجردًا، ومُلزِمًا، يفترض خضوع القوة لمنطقه لا تحوّله إلى أداته. وحين يُعاد ترتيب العلاقة بين القاعدة والقوة على نحو يجعل القاعدة تابعة لإرادة الأقوى، يفقد القانون صفته كقانون، ويتحوّل إلى خطاب انتقائي لا يملك من الإلزام سوى اسمه.

وفي هذا السياق، لا يعود تآكل الشرعية الدولية مجرد نتيجة عرضية لممارسة سياسية متغوّلة، بل يصبح تعبيرًا عن انهيار المعيارية ذاتها؛ أي عن سقوط الفكرة التي تجعل من القانون قيدًا على الفعل السياسي، لا مبررًا لاحقًا له. وهو ما يؤدي إلى تفريغ مبادئ أساسية، كعمومية القاعدة القانونية والمساواة في الخضوع لها، من مضمونها الفعلي، وإعادة العلاقات الدولية إلى منطق ما قبل التقنين: منطق تُدار فيه الشرعية بمنسوب القوة، لا بقوة القاعدة.

والأخطر في هذا المسار لا يتمثل في الواقعة محلّ الجدل بذاتها، مهما بلغت خطورتها، بل في السابقة القانونية–المفهومية التي يرسخها هذا النهج، سابقة تُطبَّع فيها مخالفة القانون الدولي متى اقترنت بالقدرة على فرض الأمر الواقع، ويُعاد تعريف المشروعية بوصفها نتيجة للقوة لا قيدًا عليها، وعند هذه اللحظة، لا يعود السؤال الجوهري المطروح: من هي الضحية الأولى لانتهاك القاعدة؟ بل يصبح السؤال الأعمق: أي نظام دولي يتشكّل حين تنهار العلاقة بين القاعدة والإلزام، وحين يُستبدل منطق القانون بمنطق القوة؟ وكم دولة ستكتشف، تباعًا، أن القانون الذي كانت تستظل به لم يعد قائمًا إلا في النصوص؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى